اخبار وتقارير

نساء تعز.. “رهينات المياه والتغيّر المناخي”

عبدالرحمن الشرعبي

تحت أشعة الشمس الحارقة، تتحول نساء مدينة تعز إلى عمالةٍ يومية لجلب المياه، حاملات “عبوات المياه” الثقيلة عبر طرقٍ وعرة.

مشهد يجسّد عنفًا مناخيًا يضاعف آلام النساء الجسدية وقلقهنّ النفسي المستمر، ويُفاقم هذا الشح في المياه الأمراض والحرمان التعليمي، ويعمّق النزاعات الأسرية والاجتماعية في ظل استنزاف الموارد.

تعب وحياة مرهقة

تروي، سهام ، معاناتها في جلب المياه وتأثيراته على حياتها؛ نتيجة التعب الجسدي الناتج عن نقل “عبوات الماء” لمسافاتٍ طويلة.

وتقول إنها تتعرض لمضايقاتٍ بسبب عدم الحصول على الكمية الكافية؛ احتكار بعض الأشخاص للحنفيات العمومية؛ ما يدفعها للذهاب مبكرًا لحجز مكانها، أو اقتراح تعبئة عبوة “دبة” واحدة لكل شخص إذا توفر القبول المجتمعي.

وترى سهام أن التأثيرات الصحية على النساء، تشمل آلام الظهر؛ بسبب الحمل الزائد، فيما يهيمن القلق النفسي والخوف من نقص المياه على يومها ويقلل نومها.

كما يسبب نقص المياه توترًا داخل الأسرة بسبب عدم المساعدة في حلب المياه، أو الإسراف في استهلاكها، بحسب سهام.

أما خلود ، فتاة في الـ15 من العمر، من حي الإخوة بتعز، فتروي معاناتها اليومية مع الماء وكأنها تعتذر عن تعبٍ يفوق عمرها.

تقول: “جلب الماء قلبَ نهاري رأسًا على عقب.. أصحو أفكر كيف أسبق الفتيات على خزانات السبيل، ولو لم أسبقهنّ، توبخني والدتي”.

وتتحدث خلود عن الطريق الطويل وطلوع السلالم، وحمل عبوة المياه الثقيلة من خزانات “بير التحرير”؛ مما يتلف العبوات، وتعود إلى البيت بآلامٍ في الظهر واليدين والرقبة.

وتشير في حديثها إلى تعرض الفتيات للتنمر والمضايقات من الشباب عند الخزانات، لكنها تختار تجاهلهم: “أمشي بعد حالي… ما أحب المشاكل”.. تقول خلود.

وتكشف أن الضغط النفسي أكبر من الجسدي “أوقات أشعر نفسي مقصّرة بالدراسة… وأتضايق من كل شيء”.. تضيف.

وتوضح أن حياتها الاجتماعية تقلصت تمامًا: “ما عاد أجلس مع صاحباتي ولا أزور عمتي… الوقت كله رايح راجع إلى خزانات السبيل”.

وتختم خلود بحلم بسيط: “لو يصلحوا شبكة المياه… كلنا بنرتاح ونرجع نفكر بعمرنا ومستقبلنا.. مش بالماء”.

أمراض وآلام جسدية

يحذر أخصائي الطب العام بالمستشفى الجمهوري بتعز، الدكتور غازي عبدالرحمن، في حديثه من أن عبء جلب المياه يقع بالكامل على النساء والفتيات في تعز.

ويرى أن هذا يتسبب في آلام الظهر والرقبة والمفاصل؛ بسبب حمل العبوات الثقيلة، وإرهاق المشي تحت الشمس والانتظار الطويل.

ويشير الدكتور غازي إلى أن استخدام مياهًا غير آمنةٍ يرفع حالات الإسهال والتهابات المعدة والجلد، فيما يزيد الذهاب إلى مناطق غير آمنةٍ من القلق والخوف.

وينوه إلى أن نقص المياه يدفع الأسر لتقليل الوجبات أو استخدام أطعمةً رديئة لعدم توفر ماء للطهي؛ ما يفاقم سوء التغذية والأنيميا.

ويضيف الدكتور غازي أن نقص المياه يعيق النظافة الشخصية ويرفع معدلات الالتهابات النسائية والجلدية وأمراض المسالك البولية، ويحد من زيارة المراكز الصحية.

لافتًا إلى أن حمل الماء منذ الصغر يسبب آلامًا مزمنةً للفتيات قد تستمر مدى الحياة، خاصةً مع الحمل المبكر وسوء التغذية.

ويوصي الدكتور غازي بتقليل الوزن عبر استخدام عرباتٍ أو عبواتٍ صغيرة، وتناوب المهام داخل الأسرة، وغلي المياه أو استخدام فلاتر بسيطة، وتنظيم نقاط المياه لتقليل المسافات والزحام.

مخاطر اجتماعية وأمنية

من ناحيتها، تقول رئيسة اتحاد نساء اليمن بتعز، صباح راجح، إن المجتمع يُحمّل النساء مسؤولية توفير المياه؛ ما يعرضهنّ لتعبٍ جسدي شديد ومخاطر أمنية أثناء الذهاب فجرًا أو ليلًا.

وكشفت صباح عن وفيات في أوساط النساء بتعز أثناء جلبهنّ للمياه. مشيرةً إلى انتشار إصاباتٍ شائعة في العمود الفقري والحوض وآلام الرقبة والظهر بسبب الحمل الثقيل، إضافةً إلى مخاطر الشمس والجفاف والانزلاق في الطرق الوعرة.

وتوضح في حديثها أن الذهاب لمناطق بعيدةٍ يعرض النساء لمخاطر التحرش أو الاغتصاب أو القنص في مناطق التماس.

كما أن هذه المهمة اليومية تعيق تعليم الفتيات، وتدفعهنّ للتغيب أو ترك المدرسة نهائيًا؛ مما يفاقم الأمية ويحد من الفرص المستقبلية.

صباح تقترح حلولًا تتطلب بنيةً تحتيةً قوية تشمل آبارًا وخزاناتٍ وشبكاتٍ تعمل بالطاقة الشمسية، وسياسات داعمةٌ وتمكينًا اقتصاديًا للنساء، وتصميم الحلول بالتشاور مع المتضررات لضمان عدالةٍ مناخية تخفف العبء.

توتر أسري ومجتمعي

مختص علم النفس والاجتماع بجامعتي تعز والحديدة، الدكتور أنور الزبيري، يقول: “إن جلب النساء للمياه في ريف تعز يفرض عليهنّ السير لمسافاتٍ طويلة والانتظار لساعاتٍ وحمل عبوات المياه على رؤوسهنّ أو على ظهور الحمير؛ ما يرهقهنّ جسديًا ونفسيًا”.

ويضيف أن الخوف من مخاطر الطرق أو السقوط في الآبار أو تعرض الأطفال للأذى؛ يزيد الضغط النفسي ويقلل فرص الراحة والتعليم.

الدكتور الزبيري يشير إلى أن هذا الإرهاق يولد شعورًا بالعجز ويؤدي للاكتئاب والقولون العصبي، ويحد من مشاركة النساء في الأنشطة المجتمعية والتعليم والعمل.

كما يضعف دوره النساء في اتخاذ القرار، ويتسبب الإرهاق المستمر بتوترٍ أسري قد يصل إلى الطلاق، أما على مستوى المجتمع؛ فتؤدي النزاعات على المياه إلى تنافرٍ بين العائلات والقبائل.

أزمة بيئية

الخبير البيئي، عمر محمد زين، يوضح أن الجفاف جزء من التغير المناخي الناتج عن استنزاف الموارد وسوء الإدارة.

ويؤثر بصورةٍ مباشرةٍ على النساء اللواتي يجلبن المياه من مسافات بعيدة، ويعتبر الخبير البيئي أن المشكلة لا تقتصر على تعز، بل تشمل محافظات جبلية أخرى تعاني من شبكاتٍ مائيةٍ ضعيفة.

ويشير زين إلى أن شحّ المياه يسبب ضغوطًا نفسيةً شديدة للنساء اللواتي يقضينَّ من ساعتين إلى أربع يوميًا في جمع المياه؛ مما يحد من الراحة والتعليم والنشاط الاجتماعي.

ويرى الخبير البيئي أن مشاركة الرجال في هذه المهمة ضرورية، مع التركيز على حصاد مياه الأمطار وتغذية المخزون الجوفي.

داعيًا إلى إدارةٍ متكاملةٍ للموارد المائية تقلل الهدر وتضمن تلبية الاحتياجات الأساسية قبل الزراعة، واستكشاف استخدام مياه الصرف الصحي في الري.

مختتمًا حديثه أن الجهود المشتركة بين المجتمع والسلطات المحلية ستعزز الاستقرار وتخفف الضغط.

تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع تعزيز دور وسائل الإعلام في دعم قضايا الصحة الإنجابية والعنف القائم على النوع الاجتماعي الذي ينفذه مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى