اخبار وتقارير

“صرخوا… طارت الحسابات!” كيف تحولت حملة رقمية شعبية إلى كابوس في غرفة عمليات الحوثي

تيار نيوز –تحليل خاص

لا يحتاج اليمنيون اليوم إلى دليل إضافي يشرح خطورة النفوذ الإعلامي لجماعة الحوثي أو حجم الخراب الذي خلفته آلة التحريض والدعاية الطائفية على الوطن والمجتمع. فمنذ أن تسللت الجماعة إلى المشهد، وهي تتعامل مع العقول باعتبارها غنيمة حرب، وتتعاطى مع الإعلام كمنصة لشرعنة الغزو الفكري والانقسام الاجتماعي لم تكن القذائف وحدها من مزقت البلاد، بل كان الخطاب المسموم الذي يبثه إعلام الحوثيين كفيلًا بإشعال نار لا تبرد وهنا بالضبط جاء الرد الشعبي المختلف: حملة رقمية مدنية، بلا سلاح ولا رتبة، لكنها أوجعت الجماعة أكثر من صاروخ، لأنها ضربت قلب المعركة الحقيقية الوعي.

إن ما فعلته صفحة “واعي” لم يكن مجرد حملة بلاغات لإغلاق حسابات تحريضية؛ بل كان إعلانًا صريحًا بأن المجتمع اليمني لم يعد متلقيًا سلبيًا، ولا جمهورًا مُستسلِمًا في مسرح العبث الحوثي حملة هزت مواقع التواصل، أغلقت أكثر من 100 حساباً  تابعة لآلة الكراهية الحوثية، وأربكت ماكينة الدعاية التي اعتادت الانتشار مثل الفيروس لقد احتفل الجمهور لأنهم شاهدوا لأول مرة فعلًا شعبيًا يقلب موازين القوة ويثبت أن قوة منصات المجتمع المدني قادرة على مواجهة طوفان الدعاية المسروقة.

اليوم، المعركة لم تعد فقط في الجبهات العسكرية، بل في ساحات البرمجيات، و”واعي” أثبتت أن اليمن لا يزال يملك طاقة المقاومة المدنية، وأن الوعي يمكن أن يكون أقوى ألف مرة من الرصاصة، وأن إسكات أبواق الحوثي على الفضاء الرقمي ليس مجرد انتصار بل استعادة للكرامة الوطنية.

الاقتصاد الرقمي في مواجهة الدعاية الحوثية

تعتمد جماعة الحوثي بشكل واسع على الفضاء الرقمي كأداة لتوجيه الرأي العام وتحصين سرديتها السياسية والمالية فالحسابات التي تم الإبلاغ عنها وإغلاقها لم تكن منصات هواة، بل كانت جزءًا من شبكة دعائية متقنة، تملك جمهورًا ضخماً وإمكانات للوصول إلى ملايين المستخدمين، ما يمنحها قوة تأثير يمكن تحويلها لاحقًا إلى موارد اقتصادية سواء عبر التمويل الخارجي، أو عبر الترويج الدعائي المدفوع، أو من خلال تعبئة الجمهور لخدمة مشاريع اقتصادية للجماعة إغلاق هذه الحسابات يعني قطع أحد مصادر القيمة غير المباشرة التي تعتمد عليها الجماعة كجزء من اقتصاد الحرب.

في عالم الاقتصاد الرقمي، لا يوجد شيء أكثر قيمة من الجمهور كل متابع هو وحدة اقتصادية محتملة، وكل تفاعل هو منفعة قابلة للتحويل خسارة الحسابات المرتفعة المتابعة تعني سقوط جمهور جاهز للاستخدام السياسي والمالي هذا يخفض القدرة على نشر الدعاية وجمع الدعم وتوسيع الموارد والأهم: يعطل قدرة الجماعة على بناء رأسمال اجتماعي يمكن استثماره لخلق شبكات نفوذ اقتصادية، سواء عبر منصات التمويل المجهولة أو عبر الترويج التجاري المقنع ما حدث هنا أشبه بفرض عقوبات اقتصادية شعبية على الحوثيين، لكن دون قرار دولي، بل بقرار الناس.

من جهة أخرى، خلقت الحملة فرصة اقتصادية جديدة للمجتمع المدني اليمني فمنصات مثل “واعي” أصبحت اليوم تمتلك قدرة تأثير تؤهلها لتلقي دعم وشراكات وتمويلات مهنية من منظمات تعمل في مجالات مكافحة التضليل، وحماية الخطاب العام، وتعزيز الأمن الرقمي بمعنى آخر، بينما خسر الحوثي جمهورًا، كسب المجتمع المدني سوقًا كاملًا جديدًا للتأثير إنها معادلة اقتصادية نظيفة: ما يسقط من يد آلة الكراهية يعود إلى يد قوة الوعي.

ارتباك سياسي في مركز غرفة صناعة الدعاية الحوثية

لطالما اعتبرت جماعة الحوثي أن الإعلام سلاح مركزي في معركتها للهيمنة على السلطة. فهي تستثمر بشكل كثيف في الخطاب التعبوي الديني، وتستخدم المنصات الرقمية لتثبيت شرعيتها وإدارة الرأي العام، وتصدير روايات مضللة تخفي فشلها، وتلمع صورتها، وتهاجم خصومها ما حدث مع حملة “واعي” يمثل ضربة مباشرة لهذه الاستراتيجية، لأنه كشف مدى اعتماد الجماعة على أدوات رقمية يمكن إسقاطها بسهولة إذا توحد المجتمع وهذا لن يمر داخل الجماعة دون ارتباك، لأنه يعطل إحدى أخطر أدواتها الاستراتيجية.

السياسة ليست فقط إدارة السلطة، بل إدارة الصورة. وحين تتلقى جماعة تعتمد على الدعاية ضربة في قلب منصاتها، فإن هذا ينتج صدمة داخلية وخارجية. داخليًا، لأن الأنصار سيبدأون بالتشكيك في قدرة القيادة على حماية ساحتها الرقمية، وخارجيًا لأن خصومها حصلوا على دليل واضح أن الجماعة ليست قوية كما تدعي لذلك فإن رد الفعل المتوقع سيكون الانتقال إلى منصات أكثر انغلاقًا مثل تليجرام أو شبكات مظلمة يصعب الوصول إليها، وهذا بحد ذاته مؤشر ضعف لا قوة.

الأهم سياسياً أن الحملة أعادت تعريف القوة في المشهد اليمني: لم يعد الإعلام حكرًا على من يملك المال أو السلاح أو المؤسسات الرسمية اليوم، منصة صغيرة يقودها شباب مستقلون يمكن أن تطيح بنفوذ إعلامي ضخم بلمسة زر وهذا يفتح بابًا جديدًا في الصراع السياسي اليمني: صراع على السيطرة على المجال الرقمي باعتباره ساحة سيادية لا تقل أهمية عن الأرض، وهو ما يضع الحوثيين في ورطة استراتيجية لأنهم غير معتادين على مواجهة خصم لا يمكن قصفه بالمدافع.

 التأثير المعنوي… معركة الثقة قبل معركة السلاح

الأثر النفسي الذي أحدثته الحملة قد يكون أهم من أي مكسب رقمي فاليمنيون، الذين تعبوا من انتظار الحلول العسكرية والسياسية، وجدوا في هذه المبادرة إحساسًا جديدًا بالقوة والقدرة على الفعل شعور طال غيابه لقد رأوا أن صوت المواطن قادر على إسقاط أبراج الدعاية، وأن وحدة المجتمع تستطيع تحقيق ما فشلت فيه المؤسسات وهذا الشعور ارتقى بمستوى المعنويات العامة وحرر شحنة أمل كانت مجمدة منذ سنوات.

في المقابل، فإن تأثير الحملة على معنويات الحوثيين وأنصارهم لا يمكن التقليل منه فالجماعة تعتمد على إنتاج وهم القوة كل خطاب، كل فيديو، كل تصريح هدفه خلق صورة القدرة المطلقة وعندما تنهار منصاتهم فجأة وتختفي حساباتهم أمام أعين المتابعين، فإن كثيرين سيبدؤون بالسؤال: إذا كانت القيادة عاجزة عن حماية حساب فيسبوك، فكيف تقود دولة؟ وهذا السؤال أخطر من أي هجوم عسكري، لأنه يضرب الصورة النفسية لا المواقع القتالية.

لكن التأثير المعنوي لا يخلو من مخاطر: فهناك خط رفيع بين حماية المجتمع من خطاب الكراهية وبين إسكات الآراء المخالفة ولهذا على الحملة أن تبني قواعد واضحة وأخلاقية كي لا تتحول إلى سلاح انتقائي وإذا تم ذلك، فستولد ثقافة رقمية سليمة تقوم على النقاش لا الإلغاء، وعلى المواجهة بالحجة لا بالصراخ. وهذا ما يحتاجه اليمن أكثر من أي شيء اليوم: عقل بارد وقلب حار.

مستقبل المعركة… من الساحات إلى الخوادم

هذه الحملة ليست النهاية، بل بداية معركة طويلة بين الحقيقة والدعاية فمن المتوقع أن يسعى الحوثيون لإعادة بناء شبكاتهم الرقمية، وربما تطوير أدوات متقدمة لتجاوز الحظر، أو نقل خطابهم إلى منصات مغلقة. لكن هذا لن يكون سهلاً بعد الآن، لأن المجتمع الرقمي اليمني استيقظ ولن يسمح بعودة الفوضى السابقة. وأي محاولة جديدة ستواجه مقاومة منظمة ومدعومة بالخبرة المكتسبة.

في الوقت ذاته، هناك فرصة كبيرة لبناء تحالف وطني رقمي بقيادة المجتمع المدني، يشمل مبادرات تحقق من الأخبار، وخبراء أمن رقمي، ومجموعات ضغط تعمل على حماية المساحة الرقمية من التلوث الفكري والتحريض الطائفي وهذا يمكن أن يشكل نقطة تحول تاريخية في شكل الصراع داخل اليمن: من معركة بنادق إلى معركة وعي وإعلام ومسؤولية.

إن مستقبل اليمن لن يُكتب في المؤتمرات الخارجية ولا في الممرات المظلمة للتسويات السياسية، بل سيكتب في الفضاء المفتوح حيث لا مجال للكذب طويلًا ومن يملك القدرة على قول الحقيقة هو من سيملك السلطة المعنوية والحوثيون يعرفون هذه الحقيقة جيدًا، ولهذا أصابهم الذعر عندما رأوا أن الجمهور ذاته تحول إلى خصمهم الأخطر.

في النهاية، يبدو أن جماعة الحوثي اكتشفت متأخرة أن إغلاق الأفواه لا يعني فتح العقول، وأن السيطرة على البنادق لا تكفي للسيطرة على الأفكار، وأن العالم الرقمي ليست له بوابة صعدة ولا نقطة تفتيش.
لقد فقدوا أهم ما كانوا يملكونه: الوهم.

ولعل الرسالة التي ينبغي أن تصلهم الآن ببساطة:

“مش كل معركة تنفع فيها الصرخة.. بعض المعارك يكسبها اللي يعرف يستخدم زر الإبلاغ.”

والقادم؟
أكبر.. وأشد إيلامًا.. وبلا طلقة رصاص واحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى