
في لحظة سياسية عربية مشبعة بالتحولات العميقة، يتصرف الحوثيون وإيران كما لو أن العالم ما زال يُدار بمنطق الإمبراطوريات القديمة: مركز واحد يقرر، وأذرع متعددة تنفذ. لكن الحقيقة أن المشهد تغير بالكامل؛ فزمن الثورات المقدسة والمقاومات العابرة للحدود دخل غرفة العناية المركزة، بعد أن تمزقت خرائط النفوذ الإيراني في لبنان وسوريا، وتهاوت أسطورة “الردع التكتيكي” أمام ضربات دقيقة كشفت هشاشة المشروع بالكامل.
وفي قلب هذه العاصفة، تعود طهران لترسل جنرالها الغامض عبد الرضا شهلائي إلى صنعاء، في مهمة تشبه عملية إنعاش سياسي وأمني لجماعة تتآكل من الداخل بفعل صراع الذئاب على السلطة والمال، وتواجه غضباً شعبياً يزداد اتساعاً يوماً بعد يوم.
اختارت إيران اليمن لأن بقية مسارحها تقف الآن فوق رمال متحركة؛ وحيث تسقط أسطورة حزب الله في بيروت، وتنهار أوراقها الأمنية في دمشق، تُقامره اليوم على ما تبقى لها من جغرافيا النفوذ.
السؤال الذي ترفض طهران الاعتراف به:
هل يمكن إعادة بناء مشروع يتشقق في أساسه؟ أم أن ما يحدث ليس إلا محاولة لإبطاء سقوط بات محسوماً؟
غياب نصر الله وارتباك الحاكم في الكهف
شكلت خسارة الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله صدمة استراتيجية داخل محور إيران بأكمله. لم يكن الرجل مجرد قائد عسكري أو سياسي كان مركز الاتزان الشرعي والسياسي للمحور، وصاحب القدرة على هندسة الخطاب وتبرير المغامرات الإقليمية وتوفير الغطاء الأخلاقي لها.
بالنسبة لعبد الملك الحوثي، لم يكن نصر الله مجرد حليف؛ كان المرشد والوصي.
كل القرارات الكبرى التي خرجت من صعدة خلال السنوات الماضية كانت تتكئ عليه بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وهذا ما يجعل غيابه اليوم أكثر من فجوة قيادية — إنه سقوط سقف حماية كامل، خصوصاً لزعيم يعاني أصلاً من عزلة اختيارية، وضعف في الخبرة السياسية، وارتهان دائم للخشية من الاختراق الأمني.
إيران شعرت بأن الحوثيين فقدوا البوصلة مع غياب الضابط الإيقاعي الذي كان يمنعهم من الانزلاق نحو حروب داخلية أو قرارات متهورة، ولذلك أعادت شهلائي لتثبيت إيقاع القيادة ومنع تحول الجماعة إلى كيانات متصارعة تمزق نفسها بنفسها.
وبدون نصر الله، يتحول الحوثي إلى زعيم بلا مدرسة سياسية، وبلا ظهير إقليمي قادر على إدارة تشابكات المنطقة. ومن هنا يبدأ النزيف الحقيقي.
الاختراق الإسرائيلي وانهيار أسطورة القوة التي لا تُقهر
كانت الضربات الإسرائيلية داخل مناطق حساسة من العاصمة صنعاء لحظة كسر تاريخية للجماعة الحوثية. لعشر سنوات بنى الحوثيون سردية كبرى خلاصتها:
نحن قوة عصية على الاختراق، ومن يقترب يحترق.
لكن الواقع فجر نفسه بقسوة:
- اغتيال رئيس حكومة الجماعة
- مقتل نصف وزرائها
- تصفية رئيس الأركان وعدد من القادة
- استهداف مخابئ محصنة سرية، بينها مواقع يُعتقد أنها كانت تُستخدم من قبل عبد الملك الحوثي نفسه
هذه الضربات هدمت العمود الدعائي للجماعة، وأطلقت موجة صدمة داخل قواعدها الشعبية والعسكرية.
لم يعد صعباً على الشارع اليمني أن يرى الحقيقة التي حاولت الجماعة دفنها لعشر سنوات:
كل القوة الظاهرة كانت مجرد ديكور، وكل الحصانة كانت صناعة إعلامية.
أمام هذا الانهيار، ارتبكت القيادات الحوثية وتبادلت الاتهامات بالاختراق والخيانة والتقصير الأمني.
بدلاً من لملمة الصفوف، ظهر ما يشبه حرب مراكز القوى داخل القيادة العليا، وهذا ما جعل إيران تتدخل مباشرة عبر إعادة شهلائي لانتزاع زمام المشهد بالقوة.
صراع الذئاب الدولة داخل الدولة الحوثية
تحولت الجماعة الحوثية اليوم إلى منظومة متصدعة من مراكز نفوذ متعارضة، أبرزها:
1- جناح علي حسين الحوثي
يقود خطة تطهير أمني واسعة تحت ذريعة وجود “اختراقات عالمية” داخل أجهزة المخابرات الحوثية.
هذا الجناح يستند إلى دعم قوي من يوسف المداني، الرئيس الجديد لأركان قوات الحوثيين، الذي يرى أن المرحلة تستدعي قبضة أمنية مطلقة.
2- جناح عبد الله الرزامي
الرجل الذي أصبح دولة داخل الدولة الحوثية، بقوات ضخمة تسيطر على جنوب صنعاء، ومحكمة مستقلة للفصل في النزاعات، وولاء قبلي مسلح لا يمكن تجاهله.
الرزامي لا يخضع للبنية الهرمية التقليدية للجماعة، ولا يثق في أسرة الحوثي، ويعتقد أنه أكثر شرعية من بعض رموزها.
3- جناح عبد الكريم الحوثي
عم الزعيم ووزير الداخلية، الذي يمثل جهاز الأمن والمخابرات بقيادة عبد الحكيم الخيواني — الجهاز المستهدف الأول في حملة التطهير.
هذه الصراعات لا تعكس حيوية سياسية، بل أزمة ثقة عميقة وانفجاراً مؤجلاً.
ومهمة شهلائي الأساسية هي إعادة توزيع النفوذ وإخماد فتيل اشتعال وشيك قد يحول الجماعة إلى كيانات متقاتلة.
إيران وإعادة تشكيل مركز نفوذ جديد جنوب الجزيرة
بالنسبة لإيران، اليمن لم يعد مشروعاً ثانوياً، بل أصبح بديل الاستثمار الثوري بعد انهيارات محور المقاومة في الشمال العربي.
ففي الوقت الذي تلاشت فيه أوراقها في سوريا ولبنان، تبدو الجماعة الحوثية اليوم:
- الأكثر قدرة على الاستمرار القتالي
- الأكثر التزاماً بولاءات أيديولوجية مطلقة
- الأكثر قابلية للتحكم من الخارج
- الأقل تكلفة سياسية داخل البيئة العربية
وعليه، قرار إعادة شهلائي ليس مجرد تعزيز، بل هو محاولة نقل مركز الثقل من بيروت إلى صنعاء، وتأسيس منصة نفوذ إقليمي يمكن استخدامها كورقة ضغط في ملفات النفط والممرات البحرية والاستقرار الخليجي.
إيران تريد الحوثيين أداة جيوسياسية مستقرة، لا جماعة تتصارع على المال والهيبة والسلطة.
ولذلك عادت إلى استراتيجية القبضة المباشرة، بعد أن فشلت سنوات التفويض الذاتي.
اليمن أمام سيناريوهات ثلاثة
استناداً إلى خارطة الصراعات القائمة، تبدو المرحلة القادمة محكومة باحتمالات مفتوحة، أبرزها:
1- سيناريو إعادة التماسك بالقوة
نجاح شهلائي في فرض هندسة أمنية صارمة، وإغلاق ملف الصراع الداخلي، واستعادة ثقة الداعمين الإيرانيين.
لكنه سيناريو قصير المدى، لأنه يتجاهل جذور الأزمة: الفقر الشعبي والسخط الاجتماعي.
2- سيناريو الانفجار الداخلي
تصاعد الصراع بين الرزامي والمداني إلى مواجهة مسلحة، وتحول الجماعة إلى أجنحة متصارعة.
وهو سيناريو مرجّح في حال فشل خطة التطهير الأمني وتوسع نفوذ الرزامي.
3- سيناريو إعادة تشكيل المشهد اليمني
عودة مسار التسوية السياسية مع ضغط دولي وخليجي وأممي متزامن، واستثمار الانهيار الداخلي لفرض اتفاق جديد ينهي الحرب.
المشهد في جوهره واضح:
كل القوة التي تتظاهر بها الجماعة اليوم هي قوة مفلسة زمنياً، ومفخخة من الداخل.
إمبراطورية من ورق وإدارة بالتوجيهات الخارجية
على مدى عشر سنوات، حاول الحوثيون إقناع اليمن والعالم بأنهم مشروع وطني مستقل، وبأنهم يقودون “ثورة المستضعفين”.
واليوم، يأتي شهلائي بطائرة ليل مظلمة، يحمل حقيبة أوامر إيرانية، ليقول للجميع الحقيقة التي حاولوا دفنها:
“من لا يستطيع إدارة جماعته… كيف سيقود دولة؟”
وما يحدث اليوم داخل الجماعة يشبه مشهد شركة فاشلة تُستدعى فيها الإدارة الخارجية لإيقاف الإفلاس قبل إعلان الانهيار.
ومع كل هذا الضجيج عن الانتصارات، الحقيقة المرة هي أن الحوثي لا يزال يقاتل لكي يثبت أنه كيان مستقل، بينما كل خطوة تكشف أنه ليس أكثر من فرع إقليمي يديره مجلس إدارة في طهران
وقريباً جداً، سيصحو اليمنيون على سؤال واحد ساخر وبسيط:
“هل يحتاج قرار ماء أو كهرباء أو راتب في صنعاء إلى تأشيرة من مطار طهران؟”



