اخبار وتقارير

“شبكة التجسس التي ضبطت الريموت”.. موسم جديد من دراما الحوثي الأمنية

تيار نيوز –تحليل خاص

يبدو أن مليشيا الحوثي قررت هذه المرة أن تنافس شركات الإنتاج الدرامي، لكن بطريقتها الخاصة: بميزانية صفرية، وسيناريو عبثي، وأبطال مذعورين. المشهد يبدأ ببيان متلفز يتلوه علي حسين الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، معلنًا إنجازًا أمنيًا تمثل في القبض على شبكة تجسسية إسرائيلية.
الحدث الذي أرادوه انتصارًا إعلاميًا تحوّل إلى مادة للسخرية الشعبية، إذ بدت الأدلة على الجاسوسية مجرد أدوات منزلية عادية: ريموت تلفزيون، خلاط قهوة، وبلكة كهربائية ما جعل اليمنيين يتندرون بأن المخابرات العالمية أصبحت تدير عملياتها من مطبخ صنعاء!
لكن خلف هذا المشهد الكوميدي، يكمن جوهر مأساوي: محاولة المليشيا تغطية انكشافها الأمني بعد ضربات مؤلمة استهدفت قادتها، وصراعها الداخلي المتصاعد بين أجنحة متنافرة.

فالمسرحية ليست عبثًا خالصًا إنها وسيلة للهروب من مواجهة الحقيقة أن المليشيا لم تعد تملك السيطرة على منظومتها الأمنية، فاختارت أن تخترع عدوًا خارجيًا لتحافظ على تماسكها المهتز.

عندما يصبح الريموت جاسوسًا: عبقرية الفشل الحوثي في الإخراج الأمني

في مسرح الإنجازات الوهمية، لا مكان للمنطق، ولا ضرورة للدليل يكفي أن تضع وجوهًا مذعورة أمام الكاميرا، وتُطلق عليهم تهمة التجسس، ليصدقها الجمهور المغلوب على أمره هكذا فعل الحوثيون في أحدث حلقات مسرحيتهم الأمنية التي زعمت القبض على شبكة تجسسية إسرائيلية.
ما بثته الجماعة من “اعترافات” بدت كمشاهد مرتجلة، يُلقّن فيها الضحايا أقوالًا غريبة عن أوامر من الموساد لاستخدام خلاط القهوة أو إشارات عبر الريموت.

إنها فانتازيا استخباراتية لا يقبلها عقل طفل في الصف الأول ومع ذلك، أصرت المليشيا على بثها في الإعلام الرسمي، محاولةً تحويلها إلى وثيقة وطنية!
تحليل مضمون هذه الاعترافات يكشف بوضوح أن الهدف لم يكن كشف شبكة، بل خلق قصة.

القصة تُستخدم لتضليل الجمهور بعد الغارة الأخيرة التي استهدفت قيادات بارزة في صنعاء، بينهم رئيس حكومة الانقلاب أي إن الشبكة الإسرائيلية وُلدت في غرفة الإعلام الحوثي، لا في ميدان المخابرات.

البروباغندا كخطة نجاة: كيف تصنع المليشيا وهماً وطنياً من رماد الفشل

منذ أن سيطرت المليشيا على صنعاء عام 2014، لم يمر شهر تقريبًا دون أن تبث فيلمًا جديدًا عن خلية تجسسية أو مؤامرة أمريكية لكن القاسم المشترك بين كل هذه الروايات هو التوقيت: فهي تظهر دائمًا عقب انهيار أمني أو ضربة عسكرية مؤلمة.
في علم الدعاية السياسية، يُطلق على هذا الأسلوب خلق عدو خارجي لتوحيد الصف الداخلي.

والحوثي، رغم شعاراته عن الصمود، يعيش هاجس الانقسام داخل جماعته، لذا يستخدم الخوف كأداة ضبط اجتماعي فكلما سأل الناس عن المرتبات أو عن فساد المشرفين، تُلقى أمامهم قنبلة إعلامية عن شبكة إسرائيلية جديدة.
المفارقة أن هذا النوع من البروباغندا لم يعد فعالًا كما كان فقد بدأ الشارع اليمني يرى في هذه البيانات نكتة موسمية التعليقات الساخرة على مواقع التواصل أصبحت أقوى من بيانات المليشيا نفسها، وهو مؤشر خطير بالنسبة لجماعة بنت قوتها على الإيمان الأعمى بخطابها.

الوريث تحت التجربة: علي حسين الحوثي في اختبار الشاشة الأولى

ظهور علي حسين الحوثي لتلاوة البيان ليس تفصيلًا عابرًا فالمليشيا تعمل منذ فترة على إعداد الجيل الوراثي من العائلة كقيادات مستقبلية، في ظل غموض مصير عبدالملك الحوثي البيان كان أشبه ببروفة تمهيدية لظهور الابن أمام الجمهور، لا إعلانًا أمنيًا كما ادّعوا.
لكن الأداء المرتبك لعلي حسين كشف هشاشة المشروع الوراثي نفسه الشاب الذي حاول أن يبدو صارمًا، ظهر متلعثمًا بين الشعارات، فاقدًا لأي حضور سياسي أو كاريزما قيادية حتى لهجته في قراءة البيان كانت متوترة، ما جعل المشهد أقرب إلى تدريب إعلامي فاشل.
مع ذلك، لا يمكن فصل هذا الظهور عن البنية العائلية للمليشيا فكل إنجاز، حقيقي أو مفبرك، يجب أن يُنسب إلى “آل الحوثي”.

إنها سلطة مغلقة تُعيد تدوير نفسها عبر الأنساب لا عبر الكفاءة وبهذا، تحوّل اليمن من دولة إلى إرث عائلي تُدار فيه السياسة بالوراثة، والدعاية بالأكاذيب.

من الأكاذيب إلى القمع: ما بعد المسرحية دائماً دم

خطر هذه المسرحيات لا ينتهي بانتهاء العرض التلفزيوني، بل يبدأ بعده. فكل شبكة تجسس يُعلن عنها الحوثيون تُتبَع بحملة اعتقالات واسعة، تستهدف ناشطين ومدنيين وأحيانًا موظفين أمميين، تحت ذريعة التعاون مع الخارج.
خلف الكواليس، تُستخدم هذه التهم كغطاء لتصفية حسابات داخل الجماعة كل جناح يتهم الآخر بالاختراق، وكل فشل يتم تغليفه بمصطلحات الأمن القومي.

عشرات المختطفين اختفوا في سجون المخابرات الحوثية لمجرد أنهم صادفوا اسمًا أو رقمًا في هاتفهم أدرجته الجماعة في قائمة الأعداء.
المنظمات الحقوقية وثقت مئات الحالات من الاعترافات القسرية التي جرى تصويرها وبثها كمواد دعائية هؤلاء ليسوا جواسيس، بل ضحايا لآلة تخويف ممنهجة، تُرهب المجتمع كي لا يسأل عن الفقر والجوع والانهيار الاقتصادي الحوثي لا يبحث عن الحقيقة؛ يبحث عن ذريعة جديدة لقمعها.


تفكيك الأسطورة: الأمن الحوثي كجهاز دعاية لا كجهاز دولة

من الناحية البنيوية، لم تنشئ المليشيا جهاز أمن وطني بقدر ما أنشأت جهازاً إعلامياً مقنّعاً بلباس أمني مهمته ليست حماية المواطنين، بل إنتاج الخوف، وتعميم الشك.
كل نشاط أمني في مناطق الحوثي يبدأ بالكاميرا قبل الميدان كل عملية تُصاغ كقصة سينمائية قبل أن تُوثق كتحقيق إنهم لا يديرون وزارة داخلية بل “استديو حرب نفسية” ضخم.

الهدف الدائم هو السيطرة على السردية لا على الواقع.
لكن هذا النوع من السيطرة هشّ بطبيعته فحين تُبنى الشرعية على الأكاذيب، تنهار بمجرد أن يضحك الناس والحوثيون بدأوا يسمعون هذه الضحكة في كل حيّ في صنعاء ضحكة تقول: أنتم لم تمسكوا جواسيس، بل أمسكتكم أكاذيبكم.

صناعة العدو كأفيون سياسي

تاريخياً، الأنظمة الشمولية حين تفشل داخليًا، تلجأ إلى اختراع عدو خارجي يمنحها مبرر البقاء.

النازية استخدمت اليهود، الستالينية استخدمت البرجوازيين، والحوثيون اليوم يستخدمون العملاء الإسرائيليين.
لكن العدو الحوثي لا وجود له إلا في الخطاب. فكل من يرفض سلطتهم يصبح تلقائيًا جاسوسًا.

بهذه الطريقة، تُحول المليشيا الصراع السياسي إلى مسرح أخلاقي مزيف، يجعلها في موقع “الطهرانية الثورية” في مقابل مجتمع متهم بالخيانة.
غير أن هذه الاستراتيجية بدأت تتآكل. لأن المجتمع اليمني، بعد عقد من القهر، لم يعد يرى في الحوثي حاميًا من المؤامرة، بل هو المؤامرة نفسها. لقد انقلبت المعادلة: من يدعي محاربة الجواسيس أصبح هو من يتجسس على أنفاس الناس.

الانهيار من الداخل: صراع الأجنحة تحت عباءة الأمن

الحديث عن “اختراق إسرائيلي” ليس سوى ستار على صراع داخلي بين أجنحة الجماعة الجناح المرتبط بعائلة بدر الدين الحوثي يواجه تمردًا صامتًا من قيادات ميدانية ترفض احتكار القرار كل طرف يتهم الآخر بأنه مخترق أمنيًا.
في هذا السياق، تأتي البيانات المفبركة كأداة للتطهير الداخلي تستخدم لاتهام خصوم داخل الصف الحوثي ثم تصفيتهم تحت غطاء العمالة.

هكذا تتحول نظرية “الأمن القومي” إلى غطاء لتصفية داخلية ممنهجة.
ولأن المليشيا لا تملك مؤسسات شفافة ولا قضاء مستقل، تتحول الاعترافات إلى سلاح سياسي. فالذي يتهم بالتجسس لا يحاكم، بل يغيب وهكذا يبقى الخوف هو القاعدة التي تحكم العلاقة بين القيادة والتابعين.

الناس يرون الحقيقة: نهاية الأسطورة تبدأ من الشارع

رغم القمع، بدأ المزاج الشعبي في صنعاء يتغير بوضوح. الناس لم يعودوا يتابعون بيانات الحوثي باهتمام، بل للسخرية فقط.

المقاهي الشعبيه أصبحت مساحة تحليل أصدق من القنوات الرسمية.
حتى بعض أنصار الجماعة بدؤوا يشككون في مصداقية إعلامها بعد تكرار نفس الأسلوب السخيف في الاعترافات التلفزيونية.

ومع اتساع الوعي، يتحول الخوف إلى تهكم، والتهكم إلى مقاومة ناعمة تُقوّض أسس الدعاية الحوثية.
هذه المقاومة الصامتة هي أخطر ما يواجه المليشيا اليوم. لأن كل كذبة تفقد تأثيرها بمجرد أن يضحك عليها الناس، وكل شبكة تجسس جديدة تعلن عنها الجماعة تضعف مصداقيتها أكثر الحوثي يخسر معركته أمام الضحكة، لا أمام الرصاصة.

حين ينهار الكذب على رؤوس صانعيه

الاعترافات المفبركة التي يروجها الحوثيون ليست إلا مرآة لفزعهم الداخلي. فالجماعة التي تروج بأنها تخترق الموساد لم تستطع حماية قياداتها من ضربة جوية واحدة والسلطة التي تزعم كشف المؤامرات، عاجزة عن دفع رواتب معلمي المدارس أو تأمين الكهرباء في العاصمة.
الحقيقة المؤلمة أن الحوثي لم يعد يصدق نفسه. كذبته تضخمت حتى صارت عبئًا عليه والمجتمع الذي أراد إخافته، صار يسخر منه في العلن.

لم يعد السؤال من يتجسس على من؟، بل من يصدق من؟.
في نهاية المسرحية، يقف الحوثي وحيدًا على الخشبة، يصرخ عن الموساد، بينما الجمهور يغادر القاعة ضاحكًا. إنها لحظة سقوط الطغيان حين يفقد قدرته على الإقناع، ويبقى عاريًا أمام وعي الناس. وما بعد الضحك، تبدأ الحقيقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى