اخبار وتقارير

سيناريو التجسس المشترك.. الحوثي والقاعدة يوحّدان لغة الرعب ضد اليمنيين

تيار نيوز –تحليل خاص

في زمن تتشابه فيه الأقنعة وتتماهى الشعارات، صار من الصعب التمييز بين عمامة ترفع شعار “المسيرة القرآنية” ولحيةٍ تلوّح براية “الجهاد”. كلاهما يعتنق الفكرة ذاتها: أن الخوف هو أداة الحكم، وأن “التجسس” هو المفتاح السحري لتصفية كل من يختلف أو يفكر أو يتنفس بحرية.
اليوم، تقف اليمن أمام مشهد سوريالي تتداخل فيه روايات الحوثي والقاعدة إلى حد التطابق، في حملة هستيرية لتجريم الإنسان وتقديس الوهم. ما يجري ليس مصادفة، بل تحالف صامت في إنتاج الرعب وإعادة تدوير الإرهاب بثوبين مختلفين.

• خطاب الخوف.. صناعة متقنة من فقه القمع

منذ أن أحكم الحوثيون قبضتهم على صنعاء، صار الاتهام بـ”التجسس” سلاحاً جاهزاً لقطع الطريق على أي صوتٍ مستقل. فكل ناشط، أو صحفي، أو موظف في منظمة دولية يمكن أن يتحول في لحظة إلى “عميلٍ لإسرائيل” بمجرد أن يكتب أو يسأل أو يرفض.
بهذا المنطق، تمكنت الجماعة من تحويل المجتمع إلى شبكة من الصمت والريبة، تراقب نفسها بنفسها.

حتى العمل الإنساني لم يسلم من هذا الفيروس، بعدما داهمت ميليشيا الحوثي مكاتب الأمم المتحدة واعتقلت العشرات من موظفيها بتهمة “العمالة”.
النتيجة؟ مجتمعٌ مشلول، تحكمه ثقافة الاشتباه. حيث تتحول “النية” إلى تهمة، و”المعلومة” إلى خيانة و”الاختلاف” إلى جريمة تستحق الإعدام.

• القاعدة تعود بالدم.. “سبيل الرشاد” نحو الهاوية

في المقلب الآخر، خرج تنظيم القاعدة من سباته بخطاب مماثل، وكأنه يقرأ من كتيب الحوثيين ذاته. في إصدار مرئي بعنوان “سبيل الرشاد”، أعاد التنظيم مشاهد الإعدام والاعترافات المنتزعة بالإكراه، في استعراض دموي يعيدنا إلى زمن المقاصل العلنية.
الفيديو لم يكن رسالة دينية بقدر ما كان عرضاً للقوة والهيمنة.

التنظيم يسوّق نفسه كقاضٍ وجلاد، ويستخدم تهمة “التجسس” لتبرير القتل خارج نطاق القانون، في تكرارٍ مقيت لخطاب “الحق الإلهي” الذي يتغنى به الحوثي على الضفة الأخرى.
إنها المفارقة الأخطر: جماعتان تبرران القتل باسم “الله”، بينما الضحايا هم يمنيون لا ذنب لهم سوى أنهم لم ينخرطوا في طقوس الخضوع.

• التحالف الخفي.. أيديولوجيا الخوف كعملة موحدة

من يظن أن القاعدة والحوثي خصمان، لم يفهم بعد قواعد اللعبة. فالتناقض الظاهري بين الطرفين يخفي تشابهاً جوهرياً في الجوهر والأداة والمنهج. كلاهما يحتكر الحقيقة، ويقدّس القائد، ويُشيطن المختلف.
التزامن بين ممارسات الحوثيين ضد موظفي المنظمات الأممية وإصدار القاعدة لفيديو “سبيل الرشاد” ليس مجرد صدفة زمنية؛ بل هو تكرار لأنماط متطابقة في الهيمنة والسيطرة.

كلاهما يسعى إلى خلق مجتمع مطيع خائف، يختزل العدالة في بندقية، والشرعية في فتوى.
في هذا المشهد، يصبح “التجسس” لغة مشتركة، وكلمة السر في هندسة الرعب السياسي. إنه التحالف غير المعلن بين “ولاية الفقيه” و“إمارة الدم”.

• حرب العقول.. كيف تدار المعركة ضد الوعي؟

ما يفعله الحوثي والقاعدة اليوم ليس مجرد قمعٍ جسدي، بل اغتيال ممنهج للعقل الجمعي عبر خطاب ديني متشدد، يعاد تشكيل وعي الأجيال على قاعدة “الطاعة مقابل النجاة”، و”الشك طريق الإيمان”.
كلا الطرفين يدرك أن الرصاصة لا تكفي، لذلك يزرعان الخوف في المناهج، وفي خطب الجمعة، وفي نشرات الأخبار.

يرسمان حدود التفكير، ثم يضعان السجن خلف كل فكرة إنها معركة ناعمة تُخاض في المساجد والمدارس ووسائل الإعلام، أخطر من أي جبهة عسكرية.
ومع كل حملة “تجسس”، تُخمد بذرة حرية، ويُدفن مشروع وطن كان يمكن أن يعيش خارج جغرافيا الفتوى والموت المجاني.

في نهاية المطاف، لا فرق بين لغم مزروع في طريق ريفي، وبين تهمة “التجسس” تزرع في طريق الكلمة. كلاهما يقتل.
الحوثي والقاعدة وجهان لعملة واحدة، يقدمان الموت بعبارة “حماية الأمة”، ويغلفان الرعب بشعارات السماء. كلاهما يكره السؤال، ويخاف الضوء، ويعيش على تربية الجهل وإخصاب الخوف.
وإن كان الحوثي يحكم بالصرخة، والقاعدة بالسيف، فكلاهما يقتلان الوطن مرتين: مرة باسم الدين، ومرة باسم الأمن.
لكن التاريخ لا يرحم القتلة مهما غيروا الشعارات، واليمن – مهما تلطخ بالدم – سيظل يلفظ كهنوت القبور وأمراء الظلام معاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى