اخبار وتقارير

اجتماعات الرئاسي المكثفة.. إنعاش اقتصادي أم سباق مع الإفلاس؟

تيار نيوز –تحليل خاص

في الوقت الذي تتصاعد فيه الأزمة المالية حتى تكاد تلتهم ما تبقى من قدرة الحكومة اليمنية على الصمود، يتحرك مجلس القيادة الرئاسي بوتيرة غير معهودة، يعقد الاجتماعات تلو الاجتماعات في محاولة تبدو –للوهلة الأولى– كأنها سباق ضد الانهيار.
ستة اجتماعات خلال أربعة أيام، في بلدٍ بالكاد يستطيع دفع رواتب موظفيه، ليست مجرد مصادفة بيروقراطية، بل تعبير عن قلق اقتصادي عميق، وعن إدراك متأخر لحجم الكارثة التي خلّفها الجمود المالي وتعثر الدعم الخارجي.

 الرئاسي أمام الجدار المالي

تبدو الحكومة اليوم كمن يحاول حفر بئر في صخرٍ ناشف؛ فبعد توقف صادرات النفط بفعل الهجمات الحوثية على الموانئ، جفّت أهم موارد الدولة التي كانت تمثل 70% من الإيرادات العامة.
النتيجة كانت عجزاً متراكمًا في الموازنة، وانقطاع رواتب، وخدمات تنهار تباعاً في المحافظات المحررة. ورغم إعلان السعودية عن دعم بقيمة 368 مليون دولار، إلا أن الأموال لم تصل بعد، لتتحول الوعود إلى ما يشبه “جرعة أمل على ورق”.

مجلس القيادة الرئاسي بدا مدركًا أن الوقت ينفد، وأن الأزمة لم تعد قابلة للتجميل بالبيانات الرسمية. لذلك وجّه بوصلته نحو الملف الأكثر سخونة: تحصيل الإيرادات، باعتباره المنفذ الأخير قبل السقوط الكامل في العجز المالي.

 معركة الإيرادات.. صراع السلطة داخل الدولة

ملف الإيرادات ليس مسألة محاسبية بحتة، بل ساحة صراع سياسي بامتياز. فالمحافظات المحررة تتعامل مع الموارد المالية بمنطق “الاستقلال الإداري” أكثر منه التزاماً مركزياً، ما جعل الخزينة العامة أشبه بـ“غربال مثقوب”.
المجلس الرئاسي شدد على إلزام السلطات المحلية بالتوريد إلى البنك المركزي، وربط كل المحافظات بمنظومة التحصيل الإلكتروني، لكن السؤال الجوهري يبقى: هل المشكلة في الآلية، أم في الإرادة؟

ففي بلدٍ تتشابك فيه الولاءات والمصالح، لا تكفي قرارات القصر الرئاسي لتغيير سلوك سلطات محلية اعتادت إدارة المال العام كملكية خاصة. التحدي الحقيقي هو في فرض سلطة القانون، لا فقط تحديث النظام الإلكتروني للتحصيل.

 الإصلاحات المؤجلة.. شرط المانحين الجديد

من الواضح أن المانحين، وفي مقدمتهم الرياض، يقرأون الأزمة من زاوية مختلفة. الدعم الخارجي لن يكون شيكاً مفتوحاً بعد اليوم، بل مرهون بتنفيذ إصلاحات إدارية وهيكلية حقيقية.
بمعنى آخر، لم تعد الأزمة أزمة سيولة فقط، بل أزمة ثقة. المجتمع الدولي يريد أن يرى دولة قادرة على إدارة مالها قبل أن يمنحها مالاً جديداً.
وفي هذا السياق، فإن كل اجتماع يعقده “الرئاسي” دون نتائج ملموسة في الميدان، يصبح مجرد “عرض نوايا” لا يغيّر من واقع الانكماش الاقتصادي شيئاً.

 الاقتصاد كاختبار للشرعية

كل ما يجري اليوم يُختزل في سؤال واحد: هل تستطيع الحكومة أن تثبت أنها جديرة بإدارة الدولة؟
الشرعية السياسية باتت مرتبطة بشكل وثيق بالكفاءة الاقتصادية. وإذا فشلت السلطة في تحصيل مواردها، وضبط نفقاتها، ودفع رواتب موظفيها، فستفقد تدريجياً ما تبقى من رصيدها أمام الشارع والمانحين معاً.
التاريخ لا يرحم الحكومات التي تبرّر الفشل بالظروف. والظروف في اليمن كانت دائماً صعبة، لكن العجز الحقيقي يكمن في غياب رؤية اقتصادية قادرة على تحويل التحدي إلى فرصة.

 الإصلاح أو السقوط

ما يحدث اليوم ليس مجرد نقاش مالي حول الإيرادات، بل مواجهة مفتوحة مع شبح الانهيار الاقتصادي.
الاجتماعات المكثفة للرئاسي قد تمنح انطباعاً بالحركة، لكنها لن تُنقذ الموقف ما لم تتحول إلى قرارات جريئة تُنفّذ على الأرض، وتعيد الانضباط إلى مؤسسات الدولة.
المانحون فقدوا الصبر، والشارع فقد الثقة، والوقت يمر بسرعة مرعبة. الإصلاح لم يعد خياراً سياسياً، بل شرطاً للبقاء.
فإما دولة تجمع مواردها وتستعيد سيادتها المالية، أو “سلطة” تكتفي بمتابعة مؤتمراتها الاقتصادية على وقع الإفلاس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى