
من ينشئ مدرجًا في جزيرة معزولة وسط البحر الأحمر؟ ومن الطائرات التي يُفترض أن تهبط هناك؟ أسئلة تتطاير كشرارات فوق موجات البحر، بعد أن كشفت صور الأقمار الصناعية عن إنشاء مهبط طائرات جديد في جزيرة زقر اليمنية، في خطوة تثير مخاوف من تحشيد عسكري إماراتي – إسرائيلي ضد الحوثيين، تحت لافتة “مكافحة التهريب” و”حماية الملاحة”.
أعمال بناء سرية في جزيرة منسية
في تقرير نشرته وكالة أسوشيتد برس بتاريخ 20 أكتوبر، أظهرت صور شركة Planet Labs PBC أن أعمال إنشاء المدرج في جزيرة زقر بدأت في أبريل الماضي، وبحلول أغسطس كان الإسفلت قد بدأ بالتمدد على أرض الجزيرة الصخرية. يبلغ طول المدرج نحو 2000 متر، ويقع على بعد 90 كيلومترًا فقط من الحديدة، المدينة الساحلية التي عرفت القصف الإسرائيلي في الأشهر الأخيرة.
وأكدت شركة “سيف” الإماراتية للشحن والخدمات البحرية تلقيها طلبًا لتوصيل مواد الأسفلت إلى الجزيرة، في حين امتنعت أبوظبي، والحكومة اليمنية الموالية لها، عن الرد على استفسارات الوكالة حول الهدف الحقيقي من المشروع.
المشهد، كما وصفه الصحفي اليمني أحمد سلمان، “يشبه إعداد قاعدة متقدمة أكثر من كونه تطويرًا لوجستيًا”، مضيفًا أن زقر قد تتحول إلى منصة عسكرية في خاصرة البحر الأحمر.
هيمنة بحرية أم استراتيجية مراقبة؟
يرى محللون أن المدرج الجديد ليس إلا حلقة في سلسلة من المواقع العسكرية والاستخباراتية التي أقامتها الإمارات بالتعاون مع إسرائيل خلال السنوات الأخيرة في جزر اليمن ومحيطه الإقليمي.
وتقول الباحثة الإيطالية إليونورا أرديماجني من المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية:
> “لا أستبعد نية التحالف شن هجوم جديد ضد الحوثيين، رغم أني لا أراه وشيكًا. لكن الأهم هو أن هذه المنشآت تهدف إلى الحد من أنشطة التهريب التي تُنسب للحوثيين، خصوصًا تهريب السلاح.”
بالمقابل، يشير خبراء يمنيون إلى أن الحديث عن مكافحة التهريب مجرد غطاء سياسي لتوسيع الوجود العسكري في البحر الأحمر. ويعتقد بعضهم أن الإمارات تسعى إلى تأمين السيطرة على خطوط التجارة والملاحة الحيوية الممتدة من باب المندب إلى قناة السويس، بما يضمن نفوذًا طويل الأمد لا يخضع لتقلبات السياسة اليمنية.
تداخل الجبهات وتفكك الحرب
منذ اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، تحوّل المشهد إلى مسرح تنافس إقليمي ودولي، حيث توزّعت الجزر والموانئ بين نفوذ سعودي وإماراتي، فيما بقيت مناطق الساحل الغربي تحت مراقبة لصيقة.
لكن اللافت مؤخرًا هو دخول إسرائيل كفاعل أمني مباشر في البحر الأحمر، بعد تقارير تحدثت عن تعاون لوجستي واستخباراتي مع أبوظبي في أرخبيل سقطرى وجزر قريبة من الساحل الصومالي.
وفي تطور متصل، كشفت القناة 12 الإسرائيلية الأسبوع الماضي عن قرار داخل المؤسسة الأمنية في تل أبيب بفصل جبهة اليمن عن جبهة غزة، ما يعني استمرار الأنشطة العسكرية ضد قوات صنعاء حتى بعد وقف إطلاق النار في القطاع.
بهذه الخطوة، يبدو أن البحر الأحمر يتحول إلى جبهة مفتوحة بلا هدنة، رغم توقف الغارات في أماكن أخرى.
من يحكم البحر الأحمر؟
يتسع السؤال اليوم أكثر من حدود جزيرة زقر الصغيرة:
هل نحن أمام إعادة رسم لخرائط السيطرة في البحر الأحمر تحت ذريعة الأمن والملاحة؟ أم أن الإمارات تمهّد لمرحلة ما بعد الهدوء في اليمن، حيث تُدار الحرب بالمدارج والرادارات بدل الصواريخ والمدافع؟
الجواب ما زال غارقًا في مياه الجزيرة الغامضة، لكن المؤكد أن من يملك الجزر يملك البحر، ومن يملك البحر يملك القرار.
وفي زمنٍ تتقاطع فيه الطائرات فوق الممرات التجارية، قد تكون زقر مجرّد بداية لمشهد أكبر… حرب باردة جديدة على شواطئ اليمن.



