
إيران تستثمر في الحوثيين لأنها ترى فيهم ورقة ذهبية على طاولة شطرنج الشرق الأوسط، ورقة لا تُكلفها الكثير لكنها تُربك خصومها وتؤمّن لها حضوراً استراتيجياً مؤثراً دون الحاجة لإطلاق رصاصة من أراضيها. فبينما تعاني طهران من تضييق الخناق على أذرعها في سوريا ولبنان والعراق، ظهر الحوثيون كبديل جاهز، ميليشيا مؤدلجة تتحرك بطاعة عقائدية، تسيطر على رقعة جغرافية شديدة الأهمية قرب مضيق باب المندب، وتملك أسلحة متطورة من طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية تم تطويرها ودعمها إيرانياً. ببساطة، الحوثي اليوم هو اليد الطويلة التي تضرب دون أن تظهر بصمات الولي الفقيه عليها.
العمق الجغرافي الذي يتحرك فيه الحوثيون يمنحهم مرونة لا مثيل لها في تنفيذ الهجمات البحرية، ويتيح لإيران خنق الملاحة الدولية وقتما شاءت دون تحمّل المسؤولية المباشرة. كل ذلك مقابل دعم لوجستي، وبعض الخبراء، وتهريب عبر البحر، وكأن إيران تدير فرعاً عسكرياً خارجياً منخفض التكلفة وعالي التأثير.
ثم هناك البعد العقائدي، فإيران لم تدعم الحوثيين فقط لأنهم عدو للسعودية، بل لأنهم أيضًا – في أعينها – امتداد لفكر الثورة الإسلامية، وإن بنسخة يمنية معدّلة. هذه الرابطة الفكرية تجعل العلاقة أعمق من مجرد تحالف مصالح، وتحوّل الحوثي إلى مشروع طويل الأمد في حسابات طهران.
إيران اليوم ليست في وارد المواجهة المباشرة، لا مع إسرائيل ولا مع الولايات المتحدة، وخصوصاً بعد التصعيد في لبنان وغزة وسوريا. لذا تلجأ لتكتيك الحروب بالوكالة، لتضرب وتوجع وتفاوض دون أن تتلقى الضربات مباشرة. الحوثي في هذه المعادلة هو رأس الحربة المتقدم، والأداة الأنسب لهذا النوع من القتال غير المتكافئ.
الضربات الأميركية والإسرائيلية لم تُوقف هجمات الحوثيين، وهذا بحد ذاته رسالة: أن الاستثمار الإيراني في هذه الجماعة يؤتي ثماره، وأن الحرب بالوكالة أنجح من أي تدخل مباشر. طهران تدير أوركسترا من الخراب، والحوثي يعزف على الوتر الذي يزعج الجميع، بينما إيران تقف في الكواليس تبتسم، وتواصل لعبتها ببرود استراتيجي يحسدها عليه حتى مكيافيلي.



