اخبار وتقارير

اليمن 2025: اقتصاد على حافة الانهيار… هل يملك السلام مفتاح النجاة؟

تيار نيوز- متابعات

بلد يتنفس على وقع النزيف الاقتصادي

لم يعد اليمن مجرد بلد يعيش حالة حرب مزمنة، بل بات نموذجاً مرعباً لانهيار اقتصادي منظم، حيث لم تكتفِ سبع سنوات من الحرب بنسف البنى التحتية والمؤسسات، بل تجاوزت ذلك إلى إفقاد الدولة وظائفها الاقتصادية والاجتماعية. فمع كل عام يمر، يتقلص الأمل في التعافي وتزداد الفجوة بين الواقع والممكن.

عام 2025 يحمل عنواناً واحداً في الاقتصاد اليمني: “الركود الشرس”، حيث تتكالب عليه ثلاثية مدمرة: الحرب المستمرة، الانقسام السياسي، والفساد البنيوي.

هذا التقرير لا يكتفي بسرد الأرقام، بل يغوص في عمق الأزمة، يحلل مسبباتها، ويفتش عن أي بارقة أمل يمكن أن تعيد لليمنيين شيئاً من كرامتهم الاقتصادية المهدورة.

 

أرقام تتكلم بلغة الانهيار: الناتج ينكمش ونصيب الفرد يتبخر

التقارير الدولية، وعلى رأسها تقارير البنك الدولي وصندوق النقد، ترسم صورة قاتمة لمستقبل الاقتصاد اليمني، ليس فقط لأنه ينكمش، بل لأنه ينهار من الداخل.

البنك الدولي يتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 1.5% في النصف الثاني من 2025، بعد انكماشات متتالية بلغت 2.0% في 2023 و1.0% في 2024. هذه المؤشرات لا تدل فقط على ركود، بل على اقتصاد يعيش في غرفة الإنعاش دون أجهزة دعم.

أما الكارثة الحقيقية، فتتمثل في الانخفاض الحاد في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، الذي تراجع بنحو 58% منذ بدء الحرب، ما يعني أن متوسط دخل المواطن تآكل لأقل من النصف.

وإذا ربطنا هذا التراجع مع انفلات التضخم وارتفاع الأسعار الجنوني، فإننا نتحدث عن كارثة إنسانية واقتصادية مركبة.

 

الريال اليمني، بدوره، لم يصمد أمام هذه المتغيرات.

فقد خسر معظم قوته الشرائية، وانهار أمام العملات الأجنبية في سوقين ماليين متوازيين في صنعاء وعدن.

التضخم، الذي بات وحشًا بلا لجام، ضرب كل القطاعات، وأدى إلى ارتفاع كلفة المعيشة لمستويات غير مسبوقة، حتى أصبحت أبسط المواد الأساسية حلماً لجزء كبير من السكان.

 

التحديات البنيوية: اقتصاد يئن تحت ركام الحرب والانقسام والفساد

لكن ما يحدث في اليمن لا يمكن تفسيره فقط بالأرقام، فهناك بنية اقتصادية ممزقة تعجز عن التفاعل مع التحديات أو احتوائها. الحرب خلقت واقعاً مزدوجاً: سلطات متعددة، عملات متعددة، سياسات متضاربة، وغياب تام للتخطيط المركزي.

الانقسام السياسي بين صنعاء وعدن حوّل الاقتصاد اليمني إلى جسد مبتور الأطراف، فقرارات البنك المركزي في عدن تتصادم مع إجراءات الحوثيين في صنعاء، مما يؤدي إلى مزيد من التضارب في السياسات النقدية، ويقوّض أي جهد لتحقيق الاستقرار.

في هذه البيئة، يتغلغل الفساد بشكل منظم، حيث تغيب الرقابة، وتُستباح الإيرادات، وتُهدر المنح والمساعدات دون مساءلة.

التراجع في الدعم الخارجي أضاف عبئاً جديداً، خاصة أن اليمن يعتمد بشكل شبه كلي على المساعدات الإنسانية والموازنات التشغيلية.

لكن القيود الدولية على التمويل، بسبب الفساد وانعدام الشفافية، أدت إلى تآكل هذا الشريان، وجعلت قدرة الحكومة على تمويل الخدمات الأساسية تتراجع بشكل مخيف وغير مسبوق.

 

قطاع النفط.. من منقذ محتمل إلى ذكرى غائبة

قطاع النفط، الذي كان يشكل نحو 70% من إيرادات الدولة، أصيب بالشلل.

فالعمليات الحربية، وغياب الاستقرار الأمني، والتهديدات المستمرة للمنشآت النفطية من قبل الحوثيين، أدت إلى شبه توقف في الصادرات النفطية.

هذا التوقف لم يضرب الخزينة العامة فحسب، بل عطّل سلاسل التوريد، ورفع فاتورة الاستيراد، وأدى إلى تآكل احتياطيات النقد الأجنبي بشكل سريع.

 

القطاع الخاص… من محرك للنمو إلى ضحية للحرب

القطاع الخاص اليمني، الذي كان قبل الحرب يوظف أكثر من 60% من القوى العاملة، أصبح اليوم ضحية حرب اقتصادية بامتياز. مئات المصانع أغلقت، آلاف الشركات أفلسَت، والاستثمار أصبح مغامرة غير محسوبة. بيئة الأعمال أصبحت طاردة بكل المقاييس، ما دفع برجال الأعمال ورؤوس الأموال إلى الهروب نحو الخارج أو تجميد نشاطهم في الداخل، وهذا ما يفسر التراجع الحاد في الحركة التجارية والانكماش المؤلم في سوق العمل.

 

الطريق إلى الإنقاذ: هل يمكن للسلام أن يصنع الفارق؟

وسط هذا المشهد المظلم، لا يزال السلام يُطرح كطوق نجاة اقتصادي.

فالتقارير الدولية تؤكد أن إنهاء النزاع يمكن أن يؤدي إلى تحفيز النمو بنسبة 5% سنوياً على مدى 15 عامًا.

لكن السلام وحده لا يصنع المعجزات. فبدون بيئة استثمارية آمنة، وإصلاحات مؤسسية حقيقية، ومكافحة الفساد بيدٍ من حديد، فإن فرص التعافي ستظل مجرد أمنيات.

أي خطة إنقاذ حقيقية يجب أن تبدأ بإعادة توحيد المؤسسات الاقتصادية والنقدية، وإنشاء هيئة عليا مستقلة لإدارة المساعدات وإعادة الإعمار، إضافة إلى استراتيجية طويلة الأجل لإعادة هيكلة القطاع المالي، وإنعاش قطاع الطاقة، وتحفيز الصناعات المحلية.

 

اليمن في مفترق التاريخ… إما الإنقاذ أو الغرق

إن اليمن اليوم لا يقف فقط أمام أزمة اقتصادية، بل أمام معضلة وجودية.

الاقتصاد الذي كان يمكن أن يتحول إلى قصة نجاح إقليمي إذا ما استثمر موارده البشرية والطبيعية، أصبح اليوم نموذجاً للدولة المنهارة.

كل المؤشرات تشير إلى أن الاستمرار في الوضع الحالي سيقود إلى مجاعة جماعية وانهيار كامل لمفهوم الدولة.

لكن الطريق لم يُغلق تمامًا لا تزال هناك فرصة تاريخية لإعادة البناء، لكنها تتطلب قرارات سياسية شجاعة، واعترافًا من الأطراف جميعها بأن الحرب لم تعد خيارًا، وأن الاقتصاد لا يُبنى في ساحات القتال بل في مؤسسات الدولة.

السلام ليس فقط خياراً سياسياً، بل ضرورة اقتصادية وإنسانية.

واليمن اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى “سلام اقتصادي” يعيد للدولة هيبتها، وللمواطن كرامته، وللوطن بوصلته.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى