اخبار وتقارير

حرب إلكترونية حوثية في عرض البحر: تشويش ملاحـي يُربك السفن وتحذيرات دولية متصاعدة”

تيار نيوز- متابعات

في خضم التحولات الجيوسياسية في البحر الأحمر، تُسجَّل سابقة خطيرة تُنذر بتصعيد نوعي في تكتيكات الحرب البحرية، حيث تتهم تقارير دولية جماعة الحوثي المدعومة من إيران بشن هجمات تشويش إلكتروني معقدة تستهدف أنظمة الملاحة البحرية، مما تسبب في حالة إرباك واسعة النطاق بين السفن المبحرة في المياه الإقليمية والدولية.

 

■ تشويش متطور يُشوّه الواقع المِلاحي

 

شركة الاتصالات البحرية العالمية “مارلينك” أطلقت تحذيراً دولياً عاجلاً، دعت فيه السفن التجارية والناقِلات العابرة لمناطق الخطر في البحر الأحمر، إلى الحذر الشديد، مشيرةً إلى أن الهجمات طالت أنظمة تحديد المواقع (GPS) بدرجة أدت إلى إنتاج بيانات ملاحية زائفة تُظهر السفن في مواقع غير حقيقية أو تسير بسرعات “تفوق الصوت”، أو حتى راسية فوق اليابسة في خرائط النظام!

 

يقول توري مورتن أولسن، رئيس قسم الملاحة في “مارلينك”، إن التشويش تجاوز حدود الإرباك التقليدي، إذ أصبح يعيد تشكيل “سيناريوهات افتراضية” ضمن خرائط الملاحة، وهو ما يمكن وصفه بأنه “خداع رقمي بحري” يخلق وهماً قد يؤدي إلى كوارث تصادم أو جنوح.

 

■ التهديد يتوسع: ليس الـGPS فقط في مرمى الخطر

 

الخطر الأكبر يكمن في أن هذا التشويش لا يقتصر على أنظمة تحديد الموقع فقط، بل يطال كذلك منظومات السلامة GMDSS، وهي المنظومة العالمية للاستغاثة البحرية، مما يعني أن السفن قد تفقد القدرة على إرسال نداءات الطوارئ أثناء الخطر أو الهجوم.

 

ووفقاً لبيانات الشركة، فقد تم رصد أكثر من 150 بلاغاً تشغيلياً في يوم واحد خلال يوليو الجاري، مقابل بلاغ واحد فقط كل أسبوعين العام الماضي في نفس الفترة. هذا الفارق الهائل يؤشر على نقلة نوعية في التكتيك الحوثي من مجرد تهديدات صاروخية إلى تبني حرب إلكترونية شبحية.

 

■ ماذا وراء هذا التصعيد؟

 

مصادر تقنية ترجّح أن الحوثيين باتوا يمتلكون معدات تشويش متقدمة يتم زرعها على طول الساحل الغربي أو جُزر قريبة، وتعمل على بث إشارات GPS وهمية تُضلل الهوائيات البحرية وتُقحمها في “مصيدة إلكترونية مغلقة”. ومن المعروف أن إشارات الأقمار الصناعية (GNSS) تكون ضعيفة عندما تصل إلى سطح البحر، ما يجعل اختراقها أو تقليدها أمراً ممكناً بأجهزة غير مكلفة نسبياً.

 

■ استراتيجيات دفاعية بديلة

 

توصي “مارلينك” بعدم إغلاق الأنظمة عند الاشتباه، بل بمواصلة التشغيل ومراقبة الفروقات، كما أوصت بالمقارنة بين قراءات GPS و”غلوناس” (الروسي)، و”بيدو” (الصيني)، و”غاليليو” (الأوروبي)، لتجنّب الاعتماد الأعمى على مصدر واحد للإشارة.

 

أما “Maritime Engineering-CTA” فتعمل حاليًا على تطوير أنظمة تعزز استقرار الاتصالات البحرية عبر GNSS، فيما توزّع موانئ الساحل الجنوبي كتيبات إرشادية للربّانين توضح كيفيّة التحوّل إلى الملاحة اليدوية عند انقطاع الأنظمة الذكية.

 

■ تصعيد سياسي وعسكري يرافق التهديدات الفنية

 

وفي منحًى خطير يتقاطع مع هذا التصعيد، أطلقت ميليشيا الحوثي تهديدات مباشرة لآلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش (UNVIM) في جيبوتي، متوعدةً بإجراءات عسكرية ضد السفن التي تمر بتفتيشها، وهو ما قد يُفجّر الوضع في البحر الأحمر، أحد أكثر الممرات المائية أهمية في العالم.

 

هيئة التجارة البحرية البريطانية سبق أن سجّلت حوادث تشويش دون تحديد الجهة الفاعلة، ولكن هذه التطورات – مترافقة مع التصريحات الحوثية – تعزز فرضية مسؤوليتهم، وتفتح الباب أمام مطالبات بإدراج التشويش البحري ضمن تصنيف الهجمات الإرهابية العابرة للحدود.

 

 

 

■ قراءة استراتيجية:

 

ما يجري ليس مجرد عبث تقني، بل تحول البحر الأحمر إلى مختبر لحرب إلكترونية هجينة، تشنّها جماعة تملك من الجرأة ما يكفي لخلط الأوراق في واحد من أهم شرايين التجارة العالمية. فالعالم يتعامل مع جماعة ميليشياوية تستخدم أدوات دول، وتخترق الفضاء الرقمي البحري في تحدٍ صارخ للقانون الدولي.

 

الردّ الدولي ما يزال باهتاً، في حين أن الضرر قد ينعكس على سلاسل التوريد العالمية، وأسعار التأمين والشحن، ويقوّض الاستقرار الإقليمي بالكامل.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى