اخبار وتقارير

تعز: أزمة مياه تضاعف معاناة السكان في عزلة الحقل

تقرير خاص: أعده لـ تيار نيوز : بشار محمد مهيوب 

تشهد مدينة تعز أزمة مياه خانقة تمتد لأكثر من عشر سنوات حيث ساهمت عوامل متعددة بتفاقم هذه الأزمة، من ضمنها شحة الأمطار والحرب الدائرة في البلاد وسيطرة الحوثيين على معظم الحقول المائية التابعة للمؤسسة في الحوجلة والحيمة والحوبان، والبالغ عددها ستة مما جعل المدينة تعتمد فقط على حقل المدينة الذي لا ينتج سوى 3 آلاف متر مكعب يوميًا، مقارنة بـ18 ألف متر مكعب سابقًا

امتدت هذه الازمة إلى القرى والارياف حيث تعاني قرية العُراعر بعزلة الحقل التابعة لمديرية جبل حبشي من أزمة خانقة وكارثية تضع السكان أمام معركة يومية ويجبرهم على قطع مسافات طويلة مشياً على الأقدام والطوابير لساعات حول بئر لا يفي بالغرض مما يزيد من معاناة المواطنين ويجعل الحصول على جالون 20 لترا من الماء، معركة يومية للبقاء، في ظل غياب مصادر مياه قريبة أو مشاريع خدمية تخفف عنهم وطأة هذه المعاناة المستمرة ويعكس واقعا أشبه بالحصار القاتم على السكان.

معاناة يومية

وضمن مشاهد المعاناة اليومية التي تفرضها أزمة المياه، تروي الطفلة عائشة محمد (11 عامًا) تفاصيل يومها الذي يبدأ قبل شروق الشمس، حيث تستيقظ مبكرًا حاملة جالوناتها الفارغة، وتقطع مسافة تقارب 500 متر سيرًا على الأقدام للوصول إلى بئر القرية، على أمل تأمين احتياجات أسرتها من مياه الشرب.

 

وتوضح عائشة في تصريحها لـ “تيار نيوز” أن التأخر في الاستيقاظ يعني غالبًا فقدان فرصتها في الحصول على الماء، أو التأخر عن المدرسة، في ظل توافد نساء من قرى مجاورة يقطعن مسافات طويلة للوصول إلى البئر ذاته، ما يضاعف من حدة الازدحام ويطيل ساعات الانتظار حتى تتجمع كمية كافية من المياه.

ولا تنتهي معاناتها عند هذا الحد، إذ تؤكد أنها تعود من المدرسة لتساعد أسرتها في الأعمال المنزلية، قبل أن تضطر للذهاب مجددًا إلى البئر عند الواحدة ظهرًا، لتواصل رحلة الانتظار الشاقة حتى المساء، في يوم يتكرر بتفاصيله القاسية، بين البحث عن الماء ومحاولة التمسك بحقها في التعليم.

وتبرز المعاناة الإنسانية بشكل أوضح في شهادات السكان، حيث تتحول الحاجة الأساسية للمياه إلى كفاح يومي يثقل كاهل النساء والأطفال، ويكشف حجم المعاناة التي يفرضها شح المياه على حياتهم اليومية وصحتهم، في ظل غياب أي حلول فورية أو مشاريع تخفف من وطأة الأزمة.

تقية عبده (50 عاماً) تحدثت بمرارة لـ “تيار نيوز” عن معاناتها اليومية مع شح المياه قائلة إن “رقبتها تؤلمها في كل مرة تضطر فيها إلى السير مسافات طويلة لجلب الماء”. وهي تحمل فوق رأسها جالونة ماء تزن 20 لتراً، أكثر من مرة يومياً من أجل تأمين احتياجاتها من المياه.

وبرغم الآلام التي تشعر بها تقية مع كل مشوار إلا أن خوفها من نفاد المياه يدفعها للإسراع في التنقل بين البئر والمنزل، خشية أن تعود فلا تجد سوى الجالونات فارغة، الأمر الذي يجبرها على الاستمرار في هذه الرحلات اليومية رغم الإرهاق.

وفي ظل غياب أي وسائل نقل أو دعم يخفف عنها هذا العبء، تؤكد تقية أنها لا تملك خياراً سوى الاستمرار في هذه الرحلات المرهقة، إذ إن التوقف عنها يعني ببساطة حرمان أسرتها من المياه، لتتحول رحلة البحث عن الماء إلى معركة يومية من أجل البقاء.

أبرز الاسباب

ويعد اليمن من أكثر البلدان التي تعاني من ندرة المياه في العالم. لا تتجاوز حصة الفرد من موارد المياه المتجددة فيها الـ80 متراً مكعباً سنوياً، وهي أقل بكثير من العتبة العالمية البالغة 1000 متر مكعب التي تُعرّف الإجهاد المائي. ويعتمد الشعب اليمني بشكل كبير على هطول الأمطار والمياه الجوفية التي تتناقص بسرعة حيث يفتقر أكثر من 14.5 مليون شخص في اليمن إلى خدمات مياه الشرب المأمونة والصرف الصحي، ويعيش معظمهم في المناطق الريفية والتي يصعب الوصول إليها بحسب تقرير حديث لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي

وفي ظل أزمة المياه الخانقة بالمحافظة فإن عزلة الحقل تعاني من مؤشرات استنزاف خطير للمياه الجوفية نتيجة ممارسات عشوائية وغياب الحلول المؤسسية للحد منها.

وفي هذا السياق أكد المهندس الجيولوجي فهد البراق لـ “تيار نيوز” أن أزمة شح المياه في المنطقة تأتي نتاج عوامل متداخلة، أبرزها الحفر غير المنظم للآبار وتراجع معدلات التغذية الطبيعية للخزان الجوفي، ما يهدد بتفاقم الوضع خلال الفترة المقبلة.

وأوضح البراق أن “الحفر العشوائي للآبار السطحية في المنحدرات، دون دراسات هيدروجيولوجية، أدى إلى استنزاف المياه بمعدلات تفوق قدرة الخزان الجوفي على التعويض. كما أسهم تراجع هطول الأمطار في بعض المواسم في تقليل تغذية المياه الجوفية، بالتزامن مع طبيعة جيولوجية صخرية للمنطقة تحدّ من قدرتها على تخزين المياه”.

وأشار إلى أن التوسع في زراعة القات، إلى جانب النمو السكاني، رفع الطلب على المياه بشكل كبير، في ظل استمرار استخدام أساليب ري تقليدية تستهلك كميات كبيرة من المياه وعدم وجود مشروع مياه منظم، ما يدفع السكان للاعتماد على آبار فردية محدودة وغير مستقرة.

ودعا البراق إلى تبني معالجات متكاملة، تشمل تنفيذ دراسات علمية لتحديد مواقع حفر الآبار، وإنشاء مشروع مياه مركزي يعتمد على بئر ارتوازية وخزان وشبكة توزيع، إضافة إلى تعزيز حصاد مياه الأمطار وترشيد الاستهلاك، خصوصًا في القطاع الزراعي.

آمال معلقة ومبادرة منسية

وسط هذه المعاناة المتواصلة، يعلق سكان القرية آمالهم على ترميم الجسور والأحواض المائية القديمة الممتدة تحت الأرض، والتي تعود إلى مئات السنين، فقد كانت هذه المنشآت المائية التقليدية في الماضي تمثل شريان الحياة للقرية، وفق الأهالي.

ويقول الأستاذ علي محمد غالب، أحد سكان القرية، إن تلك القنوات المائية كانت تغذي بئر القرية وتخفف بشكل كبير من معاناة السكان، غير أنها تدهورت بفعل السيول والأمطار والتغيرات المناخية، ولم تعد تؤدي دورها كما في السابق.

وشدد على أن البئر التي تعتمد عليها عدة قرى في العزلة بحاجة ملحّة إلى إنشاء حاجز للسيول، وتعميقها، إضافة إلى تنظيف وترميم الأحواض والجسور المرتبطة بها، بما يسهم في استعادة قدرتها على تغذية البئر كما كانت قديمًا.

وأشار إلى أن أبناء القرية أطلقوا، في عام 2008، مبادرة مجتمعية للحفر والكشف عن هذه المنشآت المائية، إلا أن تلك الجهود لم تحظَ بأي دعم أو تمويل من الجهات المعنية.

من جانبه، أوضح عاقل قرية العُراعر، محمد مهيوب نعمان، أن الحلول المقترحة لا تقتصر على الترميم، بل تشمل أيضًا إنشاء خزان مائي كبير لتجميع مياه الأمطار بدلًا من تسربها إلى باطن الأرض، إلى جانب إنشاء منظومة ضخ لنقل المياه من البئر إلى الخزان، بما يخفف من الأعباء اليومية التي يتحملها السكان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى