اخبار وتقاريرتحقيقات

تعز في أقل من 90 يوم على بداية 2026.. خمس أزمات تتشابك وحلول تتلاشى

محمد عبدالقادر اليوسفي

“ليس عندنا غاز ولا ماء ولا بنزين ولا ريال نصرِفه، وجاء رمضان فلم يبقَ عندنا شيء”، يقول المواطن محمد امين من تعز.

المفترض أن الربع الأول من العام يحمل لسكان أي مدينة شيئًا من التفاؤل. لكن تعز — ثالث أكبر مدن اليمن — دخلت 2026 بخمس أزمات متزامنة: غاز، وقود، مياه، عملة، وأسعار.

الجديد هذه المرة ليس فقط تراكم الأزمات، بل توقيتها: ذروتها اغلبها جاءت مع رمضان، ما يكشف هشاشة بنيوية عميقة، لا مجرد اضطرابات موسمية.

هذا التقرير يعيد بناء ما عاشه أبناء تعز بين يناير ومارس 2026، بالاستناد إلى الأرقام والتواريخ والشهادات.

الغاز.. حين تصبح المادة الأساسية ترفًا

 

في يناير فجأة اختفت أسطوانات الغاز من الوكلاء المعتمدين، وظهرت في السوق الموازية بسعر يفوق الرسمي بأكثر من 23%. وفق نقابة وكلاء الغاز، بلغ العجز في غاز السيارات وحده 51 مقطورة خلال أسبوعين، فيما وصل النقص في حصة الأسر إلى 50% في المدينة والأرياف معًا.

السبب المعلن هنا ان تعطُّل ترحيل حصة تعز من منطقة صافر الاستراتيجية، الأمر الذي دفع قيادة المحافظة إلى مراسلة رئيس مجلس القيادة الرئاسي ورئيس الحكومة بمذكرات عاجلة، محذرة من “تداعيات إنسانية واقتصادية وشيكة”.

والأكثر إيلامًا، اضطرت حافلات النقل العام للتزود من حصة الغاز المنزلي لعدم توفر غاز السيارات، ما ضاعف الضغط على الأسر.

أم عبدالله، ربة منزل في المدينة المكلمومة تعز تقول لـ”تيار نيوز” انها قضت ثلاثة أيام وهي تبحث على أسطوانة غاز: “في الصباح الباكر أذهب وأجد طابورًا طويلًا، ثم يقولون خلصت، حتى الأطفال ما عاد يأكلون إلا الخبز من الطابون”.

ومع اقتراب شهر رمضان في 17 فبراير، قفزت الأسطوانة إلى 11000 ريال — بزيادة 2,500 عن السعر الرسمي، الأعلى خلال الربع. والمفارقة هنا: لم يصدر أي بيان رسمي في أول يومين من الشهر.

الرد الرسمي تأخر حتى 23 فبراير (6 رمضان)، حين أعلنت الشركة اليمنية للغاز زيادة الإمدادات إلى تعز وعدن ولحج وحضرموت بنسبة 55% خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من فبراير.

 

يناير.. جالون البنزين يقفز إلى 26,000 ريال

 

بالتوازي مع أزمة الغاز، فوجئ سائقو تعز بارتفاع جالون البنزين (20 لترًا) من 22,000 إلى 26,000 ريال (+18.2%)، مع إغلاق العديد من المحطات، في مشهد يتكرر مع كل موسم استهلاكي.

هذه المرة، كان الموقف الرسمي أكثر حزمًا، وُصفت الأزمة بـ”المفتعلة”، وصدر تعميم بالبيع بالسعر الرسمي مع حملات ضبط على المحطات، لكن الواقع كشف أن بعض المحطات استمرت في التجاوز، ما يشير إلى ضعف في الرقابة أو تواطؤ في التطبيق.

أبو مازن، سائق باص في تعز يقول لـ”تيار نيوز”: “لو ارتفع السعر واخذت بنزين، او أتوقف وتنزل الحملات، بالنهاية أنا اللي يخسر، إذا ما دفعت السعر العالي ما أجد بنزين، وإذا دفعت يقولون الزيادة مفتعلة، فأين الحل؟”.

 

المياه.. العجز الأعمق

المعادلة قاسية 6 من كل 7 أسر لا تحصل على الماء عبر الشبكة العامة، وتضطر لشرائه من صهاريج خاصة بأسعار خيالية.

السبب الجوهري ان 70% من أحواض المياه وآبار تغذية المدينة تقع تحت سيطرة الحوثيين، ما يجعل حل الأزمة رهينًا بمآلات سياسية وعسكرية، وليس إجراءات إدارية، فيما يبحث وزير المياه مع ممثل اليونيسيف عن بدائل وحلول طارئة.

فاطمة علي، معلمة من حي الضربة تقول: “نشتري وائت الماء بـ80 ألف ريال، ولا يكفينا أكثر من أسبوع، أنا وزوجي معلمان في الحكومة، وراتبانا مجتمعَين لا يكفيان لشراء الماء وتأمين الأكل والمدرسة، المياه أصبحت ترفًا”.

في سياق الاعتراف الرسمي بحجم الكارثة، رفعت منظمات مدنية نداءً عاجلًا يطالب بإعلان 2026 عامًا للمياه في تعز، كخطوة لتحريك الدعم المحلي والدولي.

 

السيولة والعملة.. حين يكون التحسن مصدر معاناة

 

تحسن سعر الريال اليمني مقابل السعودي (من 425 إلى 410) بدا خبرًا جيدًا للوهلة الأولى، لكن الواقع قلبه رأسًا على عقب.

يُرجح محللون اقتصاديون ان ماحدث هو توقع محلات الصرافة استمرار التحسن، فامتنعت عن صرف العملات الأجنبية للمواطنين، مفضلة الاحتفاظ بمخزون الريال لبيعه لاحقًا بسعر أعلى.

النتيجة هنا إن المواطنون وجدوا أنفسهم في مقلب غريب (عملتهم الوطنية تتحسن لكنهم لا يستطيعون الحصول عليها).

الحكومة لجأت إلى حل عملي لتعزيز السيولة متمثلًا في صرف الرواتب بفئة 100 ريال لبعض القطاعات، لكن هذا الحل خلق أزمة جديدة.

موظف حكومي فضل عدم الكشف عن هويته يقول لتيار نيوز: “صُرف لنا الراتب بفئة 100 ريال، ونزلنا السوق نشتري كيس دقيق باكثر من 40,000 ريال، أخرجنا الأوراق المئة — أربعمائة ورقة — فرفضها التاجر ولم يقبلها، رجعنا بالدقيق لم نشتريه، فأين نذهب؟”.

وحتى 19 مارس (30 رمضان)، لم يصدر أي بيان رسمي يشرح الأزمة أو يضع إطارًا لحلها.

 

الأسعار ورمضان.. التجار يعزفون منفردين

 

في العشرين يوم الأخيرة من رمضان، واصلت أسعار الغذاء والملابس ارتفاعها، رغم تحسُن سعر الصرف، والسؤال الذي يردده الموطن: إذا كانت العملة تتحسن، فلماذا لا تنخفض الأسعار؟

يجيب التجار عن هذا التساؤل ان معظمهم اشتروا بضاعتهم بسعر صرف مرتفع سابق، ولا يميلون لخفض الأسعار قبل تصريف المخزون القديم، لكن الإجابة التي اجابها مواطنون ومحللون لمعد هذا التقرير: لا رقابة فعالة، وتجار لا يعبأون بتوجيهات الحكومة.

من جانبه مكتب الصناعة والتجارة اصدر توجيه للمحلات بإشهار الأسعار، في إجراء شكلي لا تأثير له على القدرة الشرائية، وحتى تاريخ نشر هذه المادة، مازالت الأسعار مرتفعة رغم نزول فِرق الضبط التابعة للمكتب

يقول عبدالله الشرعبي، وهو أب لأربعة أطفال: “زرت السوق لأشتري ملابس العيد، ووجدت الملابس العادية التي كانت بـ15,000 ريال أصبحت بـ24,000 سألت البائع فقال: الدولار ارتفع، قلت له الأخبار تقول الريال تحسن ومافيش اي ارتفاع، قال: عندي مخزون اشتريته بالسعر القديم، من بيعوضني؟”.

 

بنية أزمات.. لا موسم

 

ما رصدناه في تعز خلال الربع الأول من العام الجديد 2026 ليس مجرد تقلبات سوقية طارئة، الأرقام تشير إلى خلل بنيوي ثلاثي الأبعاد:

أولًا — الاختناق الجغرافي: في المياه (70% من الآبار خارج السيطرة) والغاز (حصة صافر المعطلة)، تبقي تعز أسيرة لحدود رسمتها الحرب.

ثانيًا — فجوة الاستجابة الرسمية: في ثلاث من خمس أزمات، لم يصدر أي بيان رسمي إلا بعد أيام او أسابيع، وحين تصل الاستجابة تكون تفاعلية لا وقائية، وحملات ضبط غير مُفعلة بالكامل، وتعميمات بالبيع بالسعر الرسمي دون رادع لمخالفيها.

ثالثًا — تزامن الأزمات مع رمضان: ارتفاع الطلب المتوقع في رمضان يكشف غياب خطط استباقية، زيادة 55% في إمدادات الغاز جاءت بعد أسبوع من دخول شهر رمضان لا قبله، وهو تصرف يحتاج إلى مراجعة جذرية في آليات التخطيط الحكومي.

خلاصة

خمس أزمات في اقل من 90 يوم، وأزمة مياه خلفية لا تتوقف، هذه صورة تعز في مطلع 2026، الأزمات أعادت تعريف “الموسمية” لتصبح واقعًا مزمنًا يتشابك فيه الجغرافي بالسياسي والإداري، ويدفع ثمنه مواطن عادي يقف في طابور الغاز، ويشتري الماء بدلًا من أن يصله بالأنابيب، ولا يستطيع صرف راتبه، وحين يُصرف لا يقبله التاجر.

تم إعداد هذه المادة، استنادًا إلى البيانات الميدانية المرصودة من قبل معد التقرير، الأرقام الرسمية، والشهادات المباشرة من المواطنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى