الكتابة وملامح أسلوب ذكوان البلاغي:مقال تحليلي لملامح الأسلوب في النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي
كتبه لـ تيار نيوز: أحمد الشراري

«تقليد الآخرين نوع من الوجود المزيّف!»
– مارتن هايدغر.
عن ذكوان: هو تعريب من اقتراح الأديب والصحفي الموريتاني ‘أحمد فال الدين’ للمصطلح [Artificial Intelligence] بدلاً من «الذكاء الاصطناعي»، فالأخير مصطلح طويل، وترجمة حرفية من الإنجليزية التي تستعيض عنه بالاختصار: A.I. و«ذَكوان» اسم سهل التداول، وكلمة يمكن صياغة الأفعال والأسماء منها، فتقول في الأمر: «ذَكونْ هذه المادة»، ونقول في الماضي: «ذَكونتُ المادة»، وهكذا.
كل شيء يبدأ باقتباس، وبدايةً ثمة قولة كاشفة في الأسلوبية تعود إلى ‘بيفون’: «إنّ الأسلوب هو الرجل نفسه» ربما تختصر صميم علاقة الأسلوب بالكاتب، وإن تجاوزنا بعض دلالاتها ومآخذها، أمكن اعتبار الأسلوب صورة الكاتب الرسمية في أروقة الأدب، والمنضدة التي تُقدَّم عليها نفسية الكاتب وشخصيته للتحليل، بما يحمله من طابع شخصي في سعيه إلى لفت نظر القارئ، فهو يُشفّر تجربته الذاتية، ويتولى القارئ فكَّ شفرتها.
والأسلوب يحدد سيماء الكاتب وتفرّده في الحياة الأدبية دون العامة، في ذات الوقت الذي يحدد شكل النص، وذلك ما يجعل للأسلوب قيمة لا تنفصل عن قيمة الموضوعات التي نزن من خلالها مكانة الأديب، فعندما يفقد الكاتب أسلوبه الخاص، سواء بالتقليد الدائم أو غيره، يموت أدبياً. ولسنا هنا بصدد استدعاء أطروحة ‘رولان بارت’ حول «موت المؤلف»، فقصدية بارت ترتكز على موت «سلطة الكاتب» كحدث ما بعد حداثي على غرار الميتات الأدبية والثقافية في الغرب التي تشي بانشغال الغرب المؤخَّر بالموت، ولكن المؤلف يموت أدبياً وإن كان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق حين يفقد أسلوبه حقيقةً. أمّا الرؤية البارتية فلها دلالات ومآلات غير مقبولة في الأدب العربي على الأقل، ليس هنا مقام تفصيلها، وإن رأى بعض النقاد في كتابات النماذج التوليدية تصديقاً لها. ويمكن أن نضيف قول الفيلسوف ‘شوبنهاور’ في مقدمة مقالته عن الأسلوب: «الأسلوب هو تقاطيع الذهن وملامحه، وهو منفذ إلى الشخصية أكثر صدقاً ودلالة من ملامح الوجه، ومحاكاة الكاتب لأسلوب غيره أشبه بارتداء قناع، وهو ما يلبث أن يثير التقزّز والنفور؛ لأنه مواتٌ لا حياة فيه، حتى ليفضِّله أكثر الوجوه قبحاً ما دام فيه رمق من حياة».. ورؤية ‘شوبنهاور’ عن الموت الأدبي أكثر تحققاً، وسابقة لآراء ‘بارت’ سبقاً مدهشاً!
في قراءاتي المؤخرة للمقالات والتعليقات في العالم الافتراضي، تعثرت مراراً بتلك الافتتاحات التي تبدأ بأسلوب القصر. ذات مرة وأنا أتصفح الفيس بوك، صادفت نصاً لطالبٍ في الثانوية يستهل بالقول: «القانون لم يمت، بل تم تخديره». ثم قرأت بعدها مباشرة نصاً لشاعرٍ يمنيٍّ مُجيد، يبدأ: «اليمن لم يسقط، بل نحن من سقطنا». والأخير شاعرٌ كبير، وكاتبٌ صغير، وربما الشهرة غرّته بالكتابة. ولأن النصين خرجا من رحم ذكوانيٍّ واحد، أو تمت ذَكْونتهما، إذ غالباً ما تبدأ النصوص الذكوانية بأسلوب القصر وتُختَم به، كأن البلاغة تنتهي من حيث بدأت، وتلك محاولة لترسيخ تقريظ كل ما يُسرد، أثار ذلك استيائي؛ فلا فرق بين كتابة الأدباء وكتابة المتأدبين، مغبّة الكسل النخبوي والركون إلى الآلة لتقوم بعملنا الإبداعي، وأروع اختراع إنساني!
يتجلى ذلك حينما تحدّث ‘أفلاطون’ الإلهي، على لسان ‘سقراط’ في «محاورة فايدروس» عن أسطورة مصرية قديمة: أن الإله «تحوت»، إله الفنون والحِرف، مَثُل بين يدي الملك تاموز «آمون» ليعرض عليه فنونه، حتى وصل إلى اختراعه الجديد «الكتابة»، فقال: «هاك أيها الملك معرفة ستجعل المصريين أحكم وأكثر قدرة على التذكّر، لقد اكتشفت سرّ الحكمة والذاكرة».. لكن كان لملك مصر رأيٌ آخر، هو على الأرجح الأنسب في وصف النماذج التوليدية اليوم؛ فقد رأى أن تحوت، بدافع تحيّزه للكتابة كونه مخترعها، نسب لها عكس نتائجها الصحيحة؛ ذلك لأن الاختراع سينتهي بمن سيتعلمونه إلى آفة النسيان، فهم سيتوقفون عن تمرين الذاكرة حين يعتمدون على المكتوب، ويختم بالقول: «إنك ما وجدت علاجاً للذاكرة، وإنما للتداعي!»، وهذا بعينه ما يصدق على ذكوان؛ فقد صُمِّم محاكاةً بالدماغ البشري ليساعد على إنجاز المهمات العقلية، بينما حدث العكس، إذ بالبشر يتركون التفكير، ويُريحون أدمغتهم في أسرّة الموت الفكري، ما ينسحب على وجودهم.
يكتب فيلسوف الوجود ‘هايدغر’: «نحن نعتمد على الأجهزة التكنولوجية حتى إنها تتحدَّانا لتحقيق تقدُّم أكبر في كل مرة، لكننا فجأة ودون سابق وعيٍ نجد أنفسنا مرتبطين بها بشدة لدرجة أننا نسقط في عبوديتها» وأي عبودية تلك، لا تستطيع بعدها أن تتحرر. وكتب الرّجعي ‘نيكولاس دافيلا’: «بدلًا من أنسنة التكنولوجيا، يفضّل الإنسان الحديث تكنلجة الإنسان»، وقد أصاب كثيراً. فعندما أراد الإنسان تقليد المشي، اخترع العجلة، ثم تطوّرت إلى السيارة التي جعلته يترك المشي عدا الفقراء طبعاً. فمع تعقد الآلة الحديثة يوماً إثر يوم، يصبح الكائن البشري الحديث أمامها أكثر بدائيةً، ولكي يلحق بها من جهة، ولئلا يرتحل من جهة أخرى مغبّة الضمور والأمراض البدنية، ابتكر أجهزة بديلة للمشي. والعقل برأيي يؤول إلى نفس مآل الجسد، لكن ما الأجهزة التي ستحفظ عقولنا من الضمور مستقبلاً؟ الإجابة بيد القادم، غير أننا نتنبأ أن الإنسان المتطور في المستقبل هو الإنسان الأكثر تقليداً ولحاقاً بالآلة!
والكتابة التي يفترض أن عليها حراسة اللسان، إن غدت آلية، كانت هي أول ما يشوهه ويضعفه.. فإضافة إلى تقرير الكلمات وتعميم الأشكال، هي تغيّر عبقريته، وتجعل الدقة تحل محل التعبير.. لأن الكتابة تؤدي إلى تحول عميق في الممارسات العقلية، والكلمات غير المستخدمة في جيلٍ ما لن يقرأها الجيل الذي يليه، ما يعني اختفاءها، وذاك ينسحب على الأفكار أيضاً.. ويكفي أن تطلع على تلك المقالات المتأخرة في مواقع التواصل الاجتماعي لتدرك كم أننا غارقون في التشابه والنمطية، وفي زنبقة اللغة التي نستخدمها. وقد لاحظ ‘هايدغر’ بعداً آخر لسلطة اللغة علينا، وأن علاقتنا بها تبادلية: «في حين أننا نتحدث اللغة، فإن اللغة هي التي تتحدثنا»، واللغة المصطنعة تعيد حالياً صياغة عقولنا بتواتر خفي، بعد أن أخذت المهمة المنوطة بها، والفكر مرهون باللغة المستعملة، ما يعني تقييد العقل، وذلك ما كان مثاراً للقلق الفلسفي، إذ عبر ‘فتغنشتاين’ عن هذا بشذرة شائعة: «حدود لغتي تعني حدود عالمي» و«حاولوا القبض على فكرة دون مفردة؟» ثم يقرر أن المشكلات الفلسفية تنشأ حينما تكون اللغة معطلة!
والحق أن تعطيل اللغة منشأ لمشكلات جمة، واللغة المصطنعة تعطل اللغة الطبيعية في آخر المطاف، إذ تجعل الفهم نسقاً يدور في رحى الآلة، فقادني ذلك إلى محاولة تحديد أبرز ملامح الأسلوب الذكواني في الكتابة، حتى يميّز القارئ لمن يقرأ في عصر التقنية — أو الآلهة الجديدة كما أطلق عليها عالم النفس إيرك فروم — أبشرٌ أم لآلة؟ يجب أن يحترس منها. فوجدت أنها دراسة تتطلب وقتاً لا أملكه، وتخصصاً لست من أهله حقيقةً، فقصرت البحث في ثلاثة من أساليب البلاغة القديمة (القصر، المقابلة) والحديثة (الاستعارة المفهومية)، عسى أن تسد ثغراً! وقد كان علماء اللغة في أيام النهضة المصرية الحديثة يحذرون التلامذة من قراءة الكتب المترجمة كيلا تفسد لغتهم، وقديماً كانوا يحذرون من شعراء الصنعة، وفي ذلك ‘القاضي الجرجاني’ يقول: «إذا سمعت بقول أبي تمام (ثم ذكر ستة أبيات) فاسدد مسامعك، واستغشِ ثيابك، وإياك والإصغاء إليه، واحذر الالتفات نحوه؛ فإنه مما يصدئ القلب ويعميه، ويطمس البصيرة، ويكد القريحة». ورغم أننا الآن نرى ‘أبا تمّام’ علامة فارقة في بلاغة الشعر، فقد أتى بالمحدَث في أيامه، وكل جديد مرهوب، وأخشى أننا نحكم على ذكوان حكم الجرجاني على أبي تمام. غير أنني أرى في الكتابة الذكوانية خطورة بالغة على اللغة المعيارية المعاصرة، وربما لا أبالغ إن قلت إنها في سبيل تشكيل فصحى جديدة بتراكيب وأساليب، كما فعلت الترجمات من قبل. ومن عرف مذاهب العرب في الكلام يدرك القطيعة التي حدثت بين أساليبنا الحديثة وأساليبهم في الخطاب، وعلة ذلك الترجمة!
وفجأة غزا هاجس الكتابة الجميع، والكل غدا فصيحاً معاصراً معيارياً، ومتمكناً نحواً وإملاءً، بالأسلوب ذاته، لمِمّا يثير التعجب! ويجلب الرعب من سلطة النماذج المستشرية وغزوها القراء يومياً، فالبلاغة فن وصنعة تُصقل بالتجربة والاستمرارية، ولا يحق لأحد أن يصبح بليغاً دفعة واحدة، وكاتباً متمكناً بين ليلة وضحاها بلا تعثرات!
ما الأسلوب؟
المفهوم اللغوي: لكلمة الأسلوب في المعاجم العربية دلالات عدة؛ فهي تدل على الصفّ من النخيل، والطريق، يُقال: سلكتُ أسلوبَ فلانٍ في كذا، أي طريقته ومذهبه. ويُطلق الأسلوب كذلك طريقة الكاتب في كتابته، وعلى الفنّ، فيقال: أخذنا في أساليبَ من القول، أي فنونٍ متنوعة.
أما في الاستعمال الحديث للغة الإنجليزية، فتدل كلمة [Style] على طريقة الحديث أو الكتابة، أو طريقة عمل شيءٍ ما.
المفهوم الاصطلاحي: للأسلوب تعريفات متعددة واتجاهات متنوعة بتنوع المدارس الأسلوبية، غير أن المقام لا يتّسع لاستعراض تلك المعتركات النظرية، لذا سنقف على نماذج بسيطة تبرز تطور المفهوم ومساراته.
يذكر ‘محمد الكوّاز’ في كتابه علم الأسلوب الآتي: «يُعد حازم القرطاجني من أوائل العلماء العرب الذين تعرضوا لمفهوم الأسلوب الاصطلاحي، وقد جاء بحثه للأسلوب في ثنايا كلامه عن الشعر [في منهاج البلغاء]، حيث ذهب إلى أن لكل غرضٍ شعري جملةً كبيرة من المعاني والمقاصد، ولهذه المعاني جهات كوصف المحبوب، والخيام، والطلول، وغيرها، وأن الأسلوب صورة تحصل في النفس من الاستمرار على هذه الجهات، والتنقل فيما بينها، ثم الاستمرار والاطراد في المعاني الأُخر مما يؤلف الغرض الشعري».
ويظهر جلياً أن رؤية القرطاجني كانت مقتصرة على الشعر وأغراضه دون بقية الأجناس الأدبية، وهو أمر يرتد على كثير من المصطلحات الأدبية في مرحلة الإنشاء، ثم جاء ‘ابن خلدون’ ليوسع المفهوم حين قرر: «أن لكل كلامٍ أساليبَ تختصّ به، وتوجد به على أنحاءٍ مختلفة» فسلوك الأسلوب عبارة عن المنوال الذي تُنسج فيه التراكيب، أو القالب الذي تُفرغ فيه.
كما ألمح ‘ابن خلدون’، حسب ما نقل الكواز، إلى علاقة الأسلوب بالمنشئ، ما يؤكد أن ارتباط الأسلوب بشخصية الكاتب مفهوم كلاسيكي، ثم يشير إلى أن «مؤلّف الكلام يبني تأليفه على المستعمل في كلام العرب».
وجاء مصطلح «الأسلوب» في كتب البلاغة اليونانية التراثية بمعنى التعبير ووسائل الصياغة، وله وظيفة حددها ‘أرسطو’ بالإقناع.
ويرى الفرنسيون أن الاصطلاح في ميدان الأدب يدل على ما هو ظاهري في النص الأدبي من اللغة، بما فيها من مفردات وتراكيب، ومن بلاغة وعروض. بينما يذهب فلوبير مذهباً شاملاً بقوله: «الأسلوب لوحده طريقة مطلقة لرؤية الأشياء». ثم يأتي الناقد الفرنسي ‘سانت بيف’ فيبسطه: «أن لكل كاتبٍ كلمةً مفضلة تتكرر كثيراً في أسلوبه»، فتكشف عن رغبات خفية، أو ضعف كامن أو قوة كامنة، في شخصية الكاتب، حسب رأيه.
والأسلوب بالنسبة إلى ‘ميشال ريفاتير’: «هو كل ما هو ثابت فردي ذو مقصدية فردية، وهو خاص بمؤلّف معين أو عملٍ أدبي معين». أما عند ‘رولان بارت’ فهو «لغة تتميز بالاكتفاء الذاتي، وتغرس جذورها في أسطورية المؤلّف الذاتية».
وعلى كل رأي، فالأسلوب حدث يمكن ملاحظته، لسانيٌّ اللغة أداة بيانه، ونفسيٌّ فالأثر غاية حدوثه.
وتُعرّف الطريقة الأسلوبية بأنها المظهر المنتظم في النص مثل كثرة النعوت أو تكرر بنى تركيبية معينة، ومجموع هذه الطرائق، مع العلاقات التركيبية المحتملة بينها، هو ما يُكوّن أسلوب النص.
وسنقتصر على المستوى البلاغي للطريقة الأسلوبية الذكوانية، وعلى الشائع تحديداً، من خلال رصد المظاهر البلاغية المنتظمة في النصوص، وتتبع الاستعمالات المتكرّرة فيها بما يساعد القارئ على إدراكها.
وثمّة تحفّظٌ يجب ذكره، وهو أن إصدار الحكم على أسلوب ذكوان قد يكون من قبيل المجازفة، ويبتعد عن الدقة العلمية، غير أن هذا التحفظ لا ينبغي أن يحول بيننا وبين المحاولة، وإن كنا سنقع بالضرورة في بعض الأخطاء.
ولا ندعي أن ما سيأتي يتجاوز ما تدركه النظرة العابرة، فقد يجد القارئ نفسه يراجع ما سبق أن أدركه ذوقاً ومعرفة، ولا بأس في ذلك، فما حملنا على إيلاء هذا الموضوع نوعاً من الاهتمام هو قلة الكتابة عنه، وعلى المتخصصين تحمّل قسطهم من الوزر.
الأساليب البلاغية
الأساليب البلاغية: هي مختلف الطرائق التقنية التي يعتمدها الكاتب وصولاً إلى التعبير الجمالي عن أفكاره وأحاسيسه.
الأساليب البلاغية الذكوانية: هي الأساليب البلاغية المستحدثة والمكثفة التي تستعملها النماذج التوليدية، والشائعة في الكتابة المعاصرة الجديدة التي تمزج بين البلاغة الكلاسيكية واللسانيات الحديثة والعلوم المساعدة، باللغة المعيارية المفهومية.
ومنها على سبيل التخصيص:
أسلوب القصر
القصر: هو تخصيص أمرٍ بآخر بطريق مخصوص.
وطرق القصر المشهورة أربع:
أ- النفي والاستثناء.
ب- إنما.
ت- العطف بـ «لا، وبل، ولكن».
ث- تقديم ما حقه التأخير.
أغراضه: المبالغة، تمكين الكلام في الذهن، الاحتراس، الإقناع.
وهو أسلوبٌ يرد بوفرة ويتكرر في كل نص ذكواني إلا قلة، ويلاحظ في بداية الفقرات في النصوص الطويلة، وقد أحصيت استعمالاً لهذا الأسلوب في إحدى المقالات الخاضعة للدراسة ثلاثة عشر مرة بكل الصيغ.
وتلك الصيغ يستخدمها الكاتب البشري، وربما يؤثرها، وقد جاء بعضها في القرآن في مواضع عديدة وفي كتب الأدب الراقية، ونحن لا نقول إنها خاصة بالآلة، فأيما كاتب أوردها قلنا هذا أسلوب ذكواني (حاشا لله)، فالآلة إنما تدربت على كتابات معيارية لتنتج نمطاً على تلك الأنماط، ففضلت ما يناسبها، ويخدم سرعتها، بعيداً عن جوهر البلاغة.
والصيغ الشائعة هي:
ليس «أ»، بل «ب».
ليست «أ»، إنما «ب».
لم «أ»، بل «ب».
لا «أ»، لكن «ب».
«أ»، لا «ب».
ليس «كذا» بقدر ما هو «كذا».
والأخيرة صيغة شائعة ألحقتها بأسلوب القصر، وإن كانت غير ذلك بلاغياً.
وكثيراً ما يلحق «أ» لفظ شائع مثل: فقط، فحسب، عابراً، عبثاً، ترفاً… إلخ.
وإن ألفاظاً مثل (اتفاق، عرض) أوشكت في الفترة الأخيرة أن تختفي من معجم الكتّاب، وغدا الكل عابرين يكررون لفظة (عابر): (ليس حدثاً عابراً)، (ليس كلاماً عابراً).
وهذا نهج جديد في أساليب كتابنا، فالمرادفات لا تعوز لغتنا، ولكنها لعنة الشائع، ويغفلون أن التعابير التي تلكها الألسن تفقد بريقها، وقد تُمجّ المفردة اللطيفة بعد أن تشيع وتروج.
والآلة لديها ميل ديناميكي لمحاكاة أنماط التعابير والأساليب الشائعة التي يقاومها الأجيال الجديدة من الكتاب والشعراء ما أمكن إلى ذلك سبيل، حتى لا يغيبوا في ضباب التشابه.
فبعيداً عن الأسلوب تقول الدراسات الحديثة إن كُتبنا وأفلامنا وقصصنا سوف تبيت متشابهة جداً في المستقبل لو اعتمدنا على النماذج الذكية.
وأسلوب القصر الذكواني مسكون بأسلوب المقابلة والطباق، فتأتي «ب» ضد «أ» لفظاً أو معنىً، وتأتي (ليس) النافية ضد (بل) الإثباتية و(لكن) الاستدراكية.
وقد يكون ذكوان عاشقاً للنفي والإثبات أو السلب والإيجاب؛ لأنها أسهل الأساليب البلاغية استخداماً، تساعد على الإيجاز وتلبية السرعة، ثم هي تخدم التوازن التركيبي الذي يتسم به أسلوب الكتابات المذكونة من ناحية، والاحتراس من ناحية.
فالآلة تنشد الإقناع والدقة في الآن نفسه، يقول ‘أبو هلال العسكري’ عن هذا النوع:
«هو أن يبني المتكلم على نفي الشيء من جهة، وإثباته من جهة أخرى».
والظاهر أن النماذج اللغوية تجد صعوبة في تصفية كتابتها من القصر.
مثال: (الزواج، كما صاغته الحضارات، لم يكن يومًا وعدًا بالحياة، بل كان عقدًا يُشرعن الموت البطيء للمرأة. إنه مؤسسة تُحوّلها إلى كائنٍ وظيفي، إلى جسدٍ يُنتج أبناءً ويُقدّم طاعةً، بينما يُسلب منها الحق في أن تكون ذاتًا حرة. المرأة التي تموت في الزواج ليست ضحية رجلٍ بعينه، بل ضحية نظامٍ كامل، تاريخٍ كامل، سرديةٍ كاملة بُنيت على فكرة أنَّ استقرار المجتمع أهم من حياة الفرد. هذا الموت ليس مجازيًا، بل هو موتٌ نفسي، موتٌ للخيال، موتٌ للجرأة، موتٌ للحق في أن تقول “أنا”).
والفقرة لكاتب سوري يترك على نصوصه في فيسبوك إشارة «معلومات عن الذكاء الاصطناعي». وليتَ أن البقية تحذو حذوه على الأقل!
المقابلة
المقابلة: هي أن يؤتى بمعنيين أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك.
يقول ابن ‘رشيق القيرواني’ في العمدة: «وأصلها ترتيب الكلام على ما يجب؛ فيُعطى أول الكلام ما يليق به أولًا، وآخره ما يليق به آخرًا، ويأتي في الموافق بما يوافقه، وفي المخالف بما يخالفه. وأكثر ما تجيء في الأضداد». وفي هذا التعريف يضع الطباق (المطابقة) ضمنها دون تصريح، وهو ما نراه صحيحًا. يقول: «المطابقة أن يأتلف في معناه ما يضاد في فحواه، والمطابقة عند جميع الناس: جمعك بين الضدين في الكلام أو بيت شعر».
والحال أن هذا الأسلوب يأتي على ثلاثة أنماط:
1- أن يُقابل الشيء بضده (طباق ومقابلة).
2- أن يُقابل الشيء بمثله (مقابلة).
3- أن يُقابل الشيء بغيره (مقابلة).
والفرق بين الطباق والمقابلة هو:
يجمع الطباق بين لفظين متضادين فقط، أما المقابلة فتتجاوز ذلك لتستخدم أكثر من ذلك، وقد يصل العدد أحيانًا إلى عشرة أضداد في الجملة الواحدة، وتكون خمسة في الصدر وخمسة أخرى في العجز، أي إن الفرق كمي.
أن المطابقة لا تكون إلا بالأضداد، أما المقابلة فتكون بالأضداد وغير الأضداد، ولهذا يكون الطباق أحد أنواع المقابلة، لكنها بالأضداد تكون أعلى رتبة وأعظم موقفًا، لأن بلاغتها تأتي من أنها سبب من أسباب وفاء المعنى وتمام الغرض.
أغراضها: بناء التوتر بين الأضداد لإبراز المعنى، خلق توازنٍ منتظم، الربط والسبك.
والمقابلة تفيد في بناء النص على ثنائيات واضحة: المفهوم ونقيضه، فلا تجد مفهومًا يتيمًا، والمعنى ومثله أو غيره، حتى لتجد أن النص موزون بدقة كأنه معادلة حسابية، بأزواج متقابلة، دون إضافات أو ترهلات، خاليًا من الكسر أو الخطأ البنيوي؛ فلو حذفت جملة لفسدت الفقرة، بينما يمكنك حذف هذه الجملة ولن يتغير شيء.
المقابلة في المثال السابق عن الزواج:
أ- لم يكن يومًا وعدًا بالحياة / بل كان عقدًا يُشرعن الموت. (مقابلة + قصر).
ب- الزواج / مؤسسة.
ت- المرأة / كائن وظيفي.
ث- جسد يُنتج، يُقدّم طاعة / ذاتًا حرة.
ج- ليست ضحية رجلٍ بعينه / بل ضحية نظامٍ كامل. (مقابلة + قصر).
خ- هذا الموت ليس مجازيًا / بل هو موتٌ نفسي. (مقابلة + قصر).
د- المجتمع / الفرد.
والفقرة، برؤية قياسية، مبنية على مقابلة تماثلية منتظمة بدقة، وهي منقسمة إلى ثلاثة أقسام، كل قسم مبني حول فكرة حقيقية أو مجازية تُسند إليها بقية القسم بالتكرار اللفظي أو المعنوي، ويبدأ بأسلوب قصر ثم يُمدَّد إلى أربع جمل عطفية، وكل قسم يقابل الآخر كالآتي:
القسم الأول: وفيه تقابل بنيوي منتظم للزواج
1- الزواج، كما صاغته الحضارات، لم يكن يومًا وعدًا بالحياة.
2- بل كان عقدًا يُشرعن الموت البطيء للمرأة.
3- إنه مؤسسة تُحوّلها إلى كائن وظيفي.
4- إلى جسد يُنتج أبناءً ويُقدّم طاعةً.
5- بينما يُسلب منها الحق في أن تكون ذاتًا حرة.
القسم الثاني: وفيه تقابل بنيوي تكراري للقاتل
1- المرأة التي تموت في الزواج ليست ضحية رجل بعينه،
2- بل ضحية نظامٍ كامل،
3- تاريخٍ كامل،
4- سرديةٍ كاملة بُنيت على فكرة أن استقرار المجتمع أهم من حياة الفرد.
5- (أن استقرار المجتمع / أهم من حياة الفرد)، مقابلة استعاض بها بحكم إتاحة السياق.
القسم الثالث: وفيه تقابل بنيوي تكراري للموت
1- هذا الموت ليس مجازيًا.
2- بل هو موتٌ نفسي.
3- موتٌ للخيال.
4- موتٌ للجرأة.
5- موتٌ للحق في أن تقول “أنا”.
وبعد هذا التقسيم سترى أن الدقة والمبالغة في البلاغة يطغيان على المعنى والرسالة، مما يجعل الشكل موزونًا ومزركشًا بلا صلب حقيقي أو دلالة موضوعية.
والحقيقة أن الزواج موضوع فوضوي جدًا، تتعدد الآراء عنه بتعدد الرؤوس في الأرض، ولم يكن موضوعًا بأزواج متقابلة هكذا بهذه الدقة الشكلية قط. غير أن الآلة تسعى جاهدة لبناء عالم متوازٍ، وجعل كل شيء موزونًا منطقيًا. وللإنصاف، فالزواج نفسه يشي بالتقابل، ولذكوان مذهبه في الفهم.
مثال لنصٍ ذكواني آخر:
(لا تبدأ الأفكار صاخبة، بل تولد همسًا في أطراف الوعي، ثم تمشي حافيةً بين الأسئلة، تتعثّر باليقين، وتنهض بالشك.
كل فكرةٍ لم تجرّب السقوط، لم تتعلّم الوقوف. وكل معنىً لم يُمسّه الارتياب، ظلّ أليفًا، سهلًا، بلا عمق.
نحن لا نفكّر لنصل، بل نفكّر لنبقى في الطريق؛ فالوصول موتٌ مستتر، أمّا التردّد فحياةٌ تؤجَّل ولا تُلغى.
لذلك، حين يخيفك السؤال، لا تهرب منه، لأن ما تخشاه ليس الجواب، بل انهيار الصورة التي كنتَ تحتمي بها).
ستلاحظ أن بناء النص تأسس على ثنائيات متراصة، سواء مباشرة أو متوارية، ضدية أو تماثلية أو غيرية؛ فالآلة منطقية بطبيعتها، وغالبًا ما تشتغل على الأضداد مثل:
(جسد / ذات)، (موت / حياة)، (يقين / شك)، (طريق / وصول)، (عقل / حدس)، (ظاهر / باطن)، (لغة / صمت)، (همس / صخب)، (وجود / عدم)، (غاية / عبث).
وكثرة التضادات المرتبة بدقة هي إشارة كاشفة إلى أن النسق آلي، لفروغه من فوضى التجربة الإنسانية.
الاستعارة المفهومية
هي فهم مجالٍ من مجالات الخبرة يكون عادةً مجردًا من خلال مجالٍ آخر يكون عادةً محسوسًا أو ماديًا.
ونظريةُ الاستعارة المفهومية إحدى نظريات اللسانيات الإدراكية، بدأت مع كتاب ‘جورج لاكوف’ و’مارك جونسون’ «الاستعارات التي نحيا بها» عام 1980م، بتصورٍ للاستعارة مغايرٍ للاستعارة البلاغية التراثية، وهي وفق رؤيتهما ظاهرة ذهنية للتصورات والتجربة الإنسانية والواقع المعيش؛ إذ هي عملية تصورية تنشأ في الذهن عن طريق عرض المفاهيم ومقابلها، ثم الانتقاء، ثم الإسقاط بين المجالات، وإدراك القصد والمعنى، ويمكن تكوين مفهومٍ جديدٍ يُضاف إلى المفاهيم السابقة. والكاتبان لا يعتبران الاستعارة من ممتلكات الأدب، فهي أمرٌ من الأمور التي نحيا بها؛ وظاهرةٌ ذهنيةٌ أصليةٌ يتمّ فيها إسقاط مجالٍ حياتيٍّ معيّنٍ على مجالٍ آخر، ولا علاقة لها بالعبقرية؛ فيمكن تتبّع مظهرها في الأحاديث اليومية، كما يمكن رؤيتها في الشعر والخطاب السياسي والديني.
فالاستعارة المفهومية عبارةٌ عن إدراك حقلٍ مفهوميٍّ يُعرَف بالهدف من خلال إدراك حقلٍ مفهوميٍّ آخر يُعرَف بالمصدر، لتكييف خصائص الحقلين اللذين يقترب بعضهما من بعض. ويكمن جوهر الاستعارة عند لاكوف في كونها تتيح فهم شيءٍ ما وتجربته أو معاناته انطلاقًا من شيءٍ آخر، وأنها انتقالُ المفاهيم من حقلٍ إلى آخر بما يتيح استخدام أشكالٍ من التفكير والمفردات الموجودة في حقلٍ ما وتوظيفها في حقلٍ آخر.
بنية الاستعارة المفهومية
المجال المصدر: مجالٌ محسوس أو مجسَّد.
المجال الهدف: مجالٌ مجرَّد.
الإسقاطات: علاقاتٌ منهجية تنقل عناصر المصدر إلى الهدف.
الاستدلال الاستعاري: إمكان اشتقاق معرفةٍ إضافيةٍ من المصدر وتطبيقها على الهدف.
أقسام الاستعارة المفهومية
أعطى ‘لايكوف’ و’جونسون’ في النظرية التي أتيا بها توجيهاتٍ عديدةً للاستعارة، استوحياها من السلوكيات اليومية ذات النسق التصوّري. وقد سمّياها بالاستعمالات الوضعية: الاتجاهية، والبنيوية، والأنطولوجية، إذ هي عبارةٌ عن حقائق مثبتة في نسقنا التصوّري تجعلنا ندرك العالم من حولنا ونمارس فيه تجاربنا بشكلٍ استعاري، وذلك من خلال تفكيرنا وتصوراتنا غيرَ ملاحظين لها، لكنها تحكمنا دون أن ندري، وكذلك بالنسبة للنماذج التوليدية، ومن أشهر هذه الاستعارات هي:
1- الاستعارة الاتجاهية
تُسمّى كذلك بالاستعارة الفضائية، وهي استعمالٌ استعاريٌّ للفظةٍ مرتبطةٍ في معناها بالاتجاه بشكلٍ مباشر؛ ويرتبط أغلبها بالاتجاه الفضائي: عالٍ/منخفض، داخل/خارج، أمام/وراء، فوق/تحت، عميق/سطحي، مركزي/هامشي.
من الاستعارات التي نستشفّها ضمن هذا النمط نجد في المثال الثاني:
استعارة المعنى عمق
“.. بلا عمق”.
المستعار له أو الهدف: المعنى
المستعار منه أو المصدر: البنية العمودية (عميق/سطحي).
فالفكر يُفهم كمقاسٍ عمودي.
استعارة التفكير رحلة
“.. نفكّر لنبقى في الطريق”
الهدف: التفكير
المصدر: السير في طريق.
في المثال الأول:
استعارة الزواج حيز مكاني
“.. تموت في الزواج”
الهدف: الزواج
المصدر: وعاء أو داخل مكان
وهي تتداخل هنا مع استعارة الوعاء.
2- الاستعارة البنيوية
مفادُ الاستعارة البنيوية أن يُبيَّن تصوّرٌ ما استعارياً بواسطة تصوّرٍ آخر، أو بشكلٍ مبسّط: القبضُ على مظهرٍ من مظاهر تصوّرٍ ما عن طريق تصوّرٍ آخر. إذًا هي استعارةٌ ينضوي فيها مجالان تصوّريان مختلفان، وانطلاقًا من المجال التصوّري الأول يتمّ فهم المجال التصوّري الثاني.
وهي حسب لايكوف وجونسون بنيةُ نسقٍ تصوّريٍّ استنادًا إلى نسقٍ تصوّريٍّ آخر، مثل بنيتنا لنسق الجدال بواسطة نسق الحرب في الاستعارة «الجدال حرب».
ومن الاستعارات التي نستشفّها ضمن هذا النمط نجد:
في المثال الأول:
استعارة الزواج قتل بطيء
“.. يُشرعن القتل البطيء”
“.. المرأة التي تموت في الزواج”
الهدف: الزواج
المصدر: القتل الفيزيائي.
استعارة الفقد الداخلي موت
“… موت نفسي”
“.. موت للخيال”
“.. موت للحق”
الهدف: الفقد الداخلي
المصدر: الموت.
استعارة السردية بناء
“.. سردية بُنيت على فكرة”
الهدف: الخطاب الثقافي
المصدر: البناء المعماري.
في المثال الثاني:
استعارة الوصول موت
“… الوصول موت مستتر”
الهدف: الاكتمال/النهاية الفكرية
المصدر: الموت البيولوجي.
استعارة التردّد حياة
“.. التردّد فحياة تؤجَّل”
الهدف: التردّد
المصدر: الحياة البيولوجية.
3- الاستعارة الأنطولوجية
وتُسمّى أيضًا الوجودية، حيث يقول لايكوف وجونسون: استعاراتٌ تنبني على بنية الأنساق المجرّدة اعتمادًا على بنية الأنساق الفيزيائية.
والاستعارة الأنطولوجية هي تلك الاستعارات التي يُستعمل فيها الشيء الفيزيائي كما لو كان شخصًا، وهذه الاستعارة تعطينا المجال لفهم عددٍ كبيرٍ من التجارب المتعلّقة بكياناتٍ غير بشرية عن طريق الحوافز والخصائص البشرية.
وتنقسم هذه الاستعارة إلى:
أ- استعارة تشخيصية:
هي استعارةٌ تمنح معنى للظواهر عن طريق ما هو بشري، وهي تعمل على تخصيص الأشياء الفيزيائية كما لو كانت أشخاصًا.
في المثال الأول:
استعارة الزواج فاعل
“.. يُشرعن”
“.. يُحوّلها”
الهدف: الزواج
المصدر: شخص فاعل.
في المثال الثاني:
استعارة الفكرة كائن حي
فهي تولد، تمشي، تتعثّر، تنهض، تتعلّم… إلخ
الهدف: الفكرة
المصدر: الإنسان.
ب- استعارة الكيان والمادة:
هي استعارة تقوم على مصدر تشييء المفاهيم الذهنية والتصورات، أي أننا ننظر إلى الكيانات المجردة غير المدركة على أنها كيانات محسوسة مادية، ذات وجود وكيان مادي له دوره في حياتنا اليومية وأنشطتنا.
في المثال الأول:
استعارة الحق كيان مادي
“… يُسلب منها الحق”.
الهدف: الحق
المصدر: ملكية مادية.
في المثال الثاني:
استعارة اليقين عائق
“.. تتعثّر باليقين”
الهدف: اليقين
المصدر: جسم مادي.
وكذلك بالنسبة للشك (ينهض بالشك)، ونشير إلى أن هذه الفقرة (يتعثر باليقين، وينهض بالشك) فيها أسلوبين : مقابلة دقيقة، واستعارة تشخيصية (مكنية)، إسناد التعثر والنهوض للفكر وهما من خصوص الإنسان.
استعارة المعنى محسوس
“… لم يُمسَّه الارتياب!”
الهدف: المعنى
المصدر: جسم يُمس.
ج- استعارة الوعاء:
تصوير الشيء بوصفه داخلًا أو خارجًا من حيّز.
في المثال الثاني:
استعارة الصورة ملجأ
“… تحتمي بها”
الهدف: الصورة
المصدر: مكان يحتوي ويحمي.
استعارة الوعي مساحة
“.. أطراف الوعي”
الهدف: الوعي
المصدر: فضاء ذو حواف.
ويمكن أن نضيف بعض الاستعارات التي ألحقها بعض الباحثين بالنظرية التفاعلية، ويعتمد عليها ذكوان في توليد النص:
4- الاستعارة المركزية
وهي الاستعارة المفهومية الأساسية التي تنظّم بقية الاستعارات في النص، وتعمل كالإطار العميق الذي تُبنى عليه الصور والتعبيرات الأخرى، إذ هي الفكرة الاستعارية الكبرى التي تحكم النص من الداخل، وتولد عنها الاستعارات الجزئية، فبقية الاستعارات تفريعات.
والاستعارة المركزية في المثال الأول:
الزواج نظام قتل بطيء.
والاستعارة المركزية في المثال الثاني:
المعرفة كائن حي يمشي في طريق.
الاستعارات الفرعية التي تتفرّع عن الاستعارة المركزية وتُشكّلها في صورٍ وتعبيراتٍ منفردة داخل النص، إذ هي تطبيقات جزئية للاستعارة الكبرى، تُظهرها وتفصلها في مستويات مختلفة.
وتمثل التفريعات التي تولد من الاستعارة الأم المركزية.
نجد منها في نص المثال الأول: الزواج مؤسسة قمع، المرأة مادة/جسد وظيفي، الحق شيء يُسلب، الزواج سردية، الخيال يموت، النفس تموت.. إلخ.
وفي المثال الثاني: التفكير رحلة، الوصول موت، الفكرة طفل يولد، التردّد حياة، اليقين عائق… إلخ.
وثمة من يضع هذه الاستعارات تحت مسمى الاستعارات الأولية، أي اللبنات الإدراكية الأساسية في النص، فيمكن دمج عدة استعارات أولية لتشكيل استعارات مركبة.
6- الاستعارات الثقافية
وهذه الاستعارة تتشكّل وفق السياق الحضاري والاجتماعي، فتختلف من ثقافةٍ إلى أخرى، والآلة ماهرة بها جدًا.
فمن هذه الاستعارات المرتبطة بالنسق الاجتماعي المنتمي إلى بنية ثقافية عربية تقليدية: استقرار المجتمع أعلى من الفرد، والزواج مؤسسة مقدَّرة.
وثمة استعارة بلاغية يعتمد عليها ذكوان في بناء النص قد تدخل تحت مظلة الاستعارة المفهومية بجانب الاستعارة الأنطولوجية، ولكن رأيت أن أشير إليها على حدة:
الاستعارة المكنية
وهي في البلاغة العربية التي اختفى المشبه به واكتُفي بذكر شيءٍ من لوازمه دليلًا عليه.
وتجدها عند ذكوان في إسناد الأفعال للمجردات بشكلٍ مفرط مثل: الأفكار تنهض، تولد همسًا، تمشي حافيةً، تتعثر باليقين، الأسئلة تجرح، الزواج يقتل، عقدًا يشرعن، يحوّلها، جسد ينتج، يقدم، سردية بُنيت، موت نفسي، خيالي، حقوقي، اللغة تخون، المعنى يهرب، وهكذا.
وقد اقترح ‘لاكوف’ نظرية عصبية للاستعارة ترى أن الدماغ يحتوي على شبكات عصبية تمثل المجالين المصدر والهدف، وترتبط هذه الشبكات عبر دوائر تماثل الإسقاطات الاستعارية، وفي الاستعارات الأولية تمثل إحدى الشبكات خبرة حسية حركية، وتمثل الأخرى خبرة ذاتية مجردة. وإذا صحت هذه النظرية، فهذا يعني أننا نفهم المجالات المجردة عبر المجالات المحسوسة، ونختبرها أيضًا من خلالها.
ولا أجد فارقًا كبيرًا بين الشبكات العصبية البشرية التي تحدث عنها لاكوف والشبكات العصبية الآلية المصممة على غرار دماغ الإنسان، فالنماذج التوليدية، وإن كانت لا تمتلك اللغة أو الاستعارة بناءً على التجربة كما هو الحال بالنسبة لنا، فهي تصل إلى نفس البناء اللغوي من تعلم الأنماط الإحصائية للغة من بين ملايين النصوص، وتكتشف التكرار المنهجي للارتباطات بين مجالات معينة، والتمثيلات الدلالية التي تربط وتقابل المفاهيم المجردة بالمحسوسات، فتلتقط البنية المفهومية المتكررة في البيانات والنصوص، وتجعلها على شكل أنماط ذات دقة عالية تستخدمها في عملية توليد النص. من هذا نفهم كيفية عمل إنتاج الاستعارة الذكوانية، وأيضًا عمل توليد النص ككل.
وفي الختام، نذكر أن هذه الأساليب الثلاثة الشائعة النسقية التي يعتمد عليها ذكوان في بناء النص، ما يمكن وصفها بالمستلزم البلاغي في الكتابات الذكوانية، ولا نغفل أن للذكاء أساليب أخرى ومسالك مغايرة حسب طلبات المستخدم، ولكن تلك هي الطريقة المعبدة التي يسلكها غالبًا، وما لهذه المقالة مقصد سوى التحذير من خطورة الكتابات الذكوانية ونسقية الأنماط التي تُفرض على لغتنا في المستقبل إن انجرف كتابنا خلفها بهذا التواتر، واسمحوا لي أن أتمثل برؤية ‘نيتشه’ فيلسوف وشاعر ألماني آثر القلق والتنوع على السائد اللغوي، ولقد كان مدركًا لخصوصية الأسلوب الذي يعتمده في الكتابة وصعوبته، فهو أسلوب لا يقوم على النسقية التقليدية وعلى تتالي الأدلة: «إنني أحذر جميع مُشيِّدي الأنساق كما أتحاشاهم» لأن النسقية عند الفلاسفة وشعراء الرفض محوٌ لثراء التنوع والتعدد والتناقض، وهو ثراء يجليه أسلوب نيتشه في الكتابة: «إن أسلوبي ضرب من الرقص، إنه يهزأ بكل التناسقات، وهو يتخطاها بقفزة ويسخر منها» لأن قوامه إثبات الكثرة باعتمادها أسلوبًا في الكتابة المتنوعة، كالكتابة الشذرية والحكم والأشعار والرسائل، بينما يذهب الفيلسوف والشاعر الفرنسي ‘بول فاليري’ في كتابه «الفن الشعري» مذهبًا جذريًا تجاه النسقية والبلاغة: «أمسك بالفصاحة والوِ عنقها»، هكذا هم أرباب الفكر والأدب منذ القدم «من أراد أن يكون مذهبه جيدًا، فلتكن طريقته على ضد طريقة أكثر الناس!» حد تعبير ‘ديوجانس’. تمرّد، ولكن في سبيل إيجاد لغة خاصة، فلا يليق بكاتب حقيقي أن يكون من زمرة المقلدين، ذلك وجودًا مزيفًا لا يعيش أطول من حياة صاحبه. وقبل كل شيء علينا أن نحترم الكتابة، ونأخذها بجدية، ونعمل عليها حتى آخر رمق، وأن نحفل بأخطائنا وتعثراتنا كما نحفل بنجاحنا، ولا بد أن توجد ثقافة تُقدِّر الكتابة، ترى أنها قدرًا بشريًا لا يحق للآلة أن تطاله بأذرعها.



