ثقافة وفن

رجال في الشمس: مأساة الصمت والاختناق

محمد نبراس العميسي

انهيت اليوم قراءة الكتاب الأول في قائمة قراءات شهر مايو والذي كان رواية رجال في الشمس للروائي الفلسطيني غسان كنفاني، وناقشتها مع أصدقاء القراءة الجماعية في نادي القراءة.

الرواية هي إحدى الأعمال الأدبية لغسان كنفاني التي تتجلّى المأساة الفلسطينية بين سطورها وبين بقية أعماله، حيث تقوم معظم رواياته على جدلية الوطن والمنفى، كما في: رجال في الشمس، ما تبقى لكم، أم سعد، وعائد إلى حيفا. وفي هذا السياق، تبرز رواية “رجال في الشمس” بوصفها العمل الأكثر حضوراً وتأثيراً، لما تحمله من كثافة رمزية وطرح إنساني عميق يتجاوز حدود الحكاية إلى مساءلة الوجود ذاته.

تعكس الرواية معاناة الفلسطيني في المنفى عقب النكبة، من خلال قصة ثلاثة رجال—أبو قيس، أسعد، ومروان—يسعون إلى خلاص فردي عبر الهجرة من البصرة إلى الكويت، برفقة سائق فلسطيني هو أبو الخيزران. تبدو الرحلة في ظاهرها محاولة للنجاة من الفقر والتشرد، غير أنها تنتهي إلى مأساة صامتة، تكشف هشاشة الحلول الفردية حين تنفصل عن الوعي الجمعي، وتفضح وهم الخلاص حين يُبنى على مسارات محفوفة بالخطر والعزلة.

ويحضر المكان في الرواية بوصفه عنصراً مركزياً في تشكيل المعنى، إذ ترتبط المأساة الفلسطينية أساساً بفقدان الوطن، وما يترتب عليه من تشظٍ في المنافي. فالحواجز لا تبدو مجرد نقاط عبور، بقدر ما تعكس واقعاً متراخياً يفتقر إلى الفعل، حيث تُختزل القضايا الكبرى في إجراءات روتينية باردة. أما الصحراء، فتتحول إلى فضاء للصمت والفراغ، يتردد فيه الصوت دون استجابة، في إشارة إلى العزلة والخذلان. وفي المقابل، تبرز الكويت بوصفها أفق الحلم أو الوطن البديل، الذي يتجه إليه الفلسطيني بحثاً عن حد أدنى من الاستقرار، رغم إدراكه العميق لوعورة الطريق.

وتقترب الرواية في بنائها الفني من القصة الطويلة، حيث تتكامل عناصر الزمان والمكان والشخصيات لتؤدي دوراً موحداً في نقل التجربة. ويظهر اهتمام كنفاني بالتفاصيل المكانية بشكل لافت، مانحاً النص طابعاً بصرياً مكثفاً، يكاد يقترب من البناء السينمائي، بما يعزز من حضور المشهد وقسوته في وعي القارئ.

كما تعتمد الرواية على رمزية عالية، إذ يتحول خزان الشاحنة إلى صورة مكثفة للاختناق، ليس فقط بالمعنى الفيزيائي، إنمة بوصفه تعبيراً عن حالة الحصار والصمت والعجز.

وداخل هذا الفضاء المغلق، تنتهي حياة الرجال الثلاثة بصمت، في مشهد يلخص مأساة إنسانية تتكرر بأشكال مختلفة.

وتبلغ الرواية ذروتها في صرخة أبي الخيزران: “لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟”، وهو سؤال يتجاوز الحدث السردي ليغدو مساءلة مفتوحة حول الصمت، والمسؤولية، وإمكانية الفعل في مواجهة المصير. لقد تحولت هذه العبارة إلى رمز أدبي دائم، يعكس حالة من العجز الجماعي، ويفتح باب التأويل أمام أجيال متعاقبة.

وتؤكد رجال في الشمس مكانتها كعمل أدبي خالد، لا ينتمي إلى زمنه فحسب، إنما يمتد إلى الحاضر بأسئلته القلقة. فقد نجح غسان كنفاني في تقديم نص مكثف يجعل من الأدب وسيلة لحفظ الذاكرة، وفضاءً دائماً لطرح الأسئلة الكبرى حول الإنسان والمكان، والوجود والمعنى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى