
في زمن لا يُقاس فيه الاستقرار ببرميل نفط، بل بدرونٍ عابرٍ في سماء كردستان، أو بند جمركي في خطاب انتخابي في واشنطن، تبدو أسواق الطاقة وكأنها تخوض اختبار توازنٍ معقّد، حيث لا مكان للمصادفة، ولا استقرار دون يقين.
هذا الأسبوع، قدمت الأسواق نموذجًا كلاسيكيًا لما يسميه الاقتصاديون: “ارتباك الاتجاهات المتضادة”، حيث ارتفعت الأسعار فجأة استجابةً لهجوم مسلح على منشآت نفطية، ثم عادت لتتراجع رغم استمرار المخاوف، نتيجة لتقلبات السياسة الدولية وتغير توقعات العرض والطلب.
هجمات كردستان.. “الحدث الصغير” الذي أربك التوازن الهش
الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت نفطية في كردستان العراق لم تكن مجرد حادثة أمنية، بل كانت مؤشرًا على هشاشة منظومة الإمداد في منطقة تشكل جزءًا من “الهلال النفطي الهش” الذي يمتد من البصرة إلى حقل الشيبة في السعودية.
بحسب تقارير استخباراتية غربية، فإن الضربة عطّلت قرابة 50% من إنتاج الإقليم، والذي يُقدّر بنحو 450 ألف برميل يوميًا. هذه الكمية، وإن بدت محدودة في ميزان السوق العالمي، إلا أن الأثر النفسي على المتعاملين كان فوريًا.
التفسير الاقتصادي: الأسواق لا تتفاعل مع “الحجم” فقط، بل مع “الموقع والرمزية والسيناريو المحتمل”. والخوف من توسع الهجمات ليشمل مناطق نفطية أخرى في العراق أو حتى إيران أو الخليج، هو ما يجعل الأسعار تقفز بشكل مؤقت.
الأسعار تتحرك.. ولكن في أي اتجاه؟
خام برنت: أغلق عند 69.48 دولارًا للبرميل (انخفاض بـ0.06%).
خام غرب تكساس: استقر عند 67.51 دولارًا (انخفاض بـ0.04%).
رغم أن الصعود الصباحي اقترب من دولار للبرميل، إلا أن هذا الزخم تراجع سريعًا، نتيجة لظهور إشارات سلبية من منظمة أوبك بلس، مفادها أن بعض الدول قد تخرق التزامات خفض الإنتاج طوعًا، تماشيًا مع ضغوطها الاقتصادية الداخلية.
قراءة ما بين السطور:
السوق “أصابها الإنهاك”، ولم تعد تستجيب كما في السابق للصدمات الجزئية. فهناك نوع من التشبّع النفسي والتحفظ الاستثماري، مما يعني أن تأثير الأحداث القصيرة الأمد يذوب بسرعة.
ضغوط داخلية في أوبك.. وانقسام غير معلن
في الكواليس، تتزايد الانقسامات داخل أوبك بلس. فبين دول تعاني من عجز مالي حاد (مثل نيجيريا وأنغولا) وأخرى بدأت تفكر في زيادة صادراتها (مثل روسيا)، هناك خشية من “انفراط غير معلن للاتفاقيات”.
ورغم محاولات السعودية والإمارات لضبط الإيقاع عبر بيانات مطمئنة، إلا أن الشكوك تتزايد في قدرة التحالف على الحفاظ على سقف الإنتاج الحالي حتى نهاية 2025، خاصة بعد تراجع الأسعار من مستويات الـ80 دولارًا في بداية العام إلى أقل من 70 دولارًا حاليًا.
واشنطن والغموض التجاري.. التهديد غير النفطي
التأثير الأخطر الذي لا يُقاس بعدد البراميل، هو الغموض القادم من الولايات المتحدة بشأن مستقبل السياسة التجارية. إذ تتزايد التكهنات حول توجهات إدارة بايدن بشأن الرسوم الجمركية على الواردات الصينية، في ظل ضغوط انتخابية متصاعدة.
الاحتمالان الأبرز:
- رفع الرسوم: سيؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد الصيني، وتراجع الطلب على الطاقة، خصوصًا في القطاع الصناعي.
- خفض الرسوم: قد يحفّز النمو مؤقتًا، ولكن قد يؤدي أيضًا إلى موجة تضخم عالمي إذا صاحبه انتعاش سريع في الطلب.
وفي كلتا الحالتين، السوق تقف على الحافة، تراقب كل بيان أو تصريح من مسؤولي البيت الأبيض أو البنك الفيدرالي.
خسائر أسبوعية رغم التوترات
بمراجعة الأداء الأسبوعي، فقد خسر خام برنت وخام غرب تكساس أكثر من 1.2% لكل منهما. هذا يعني أن التوترات لم تكن كافية لتعويض التراجع الناتج عن ضعف الطلب وثبات المعروض.
المعادلة الحالية:
توترات إقليمية + غموض سياسي – تشبع سعري = تذبذب بلا اتجاه
إلى أين يتجه السوق؟ سيناريوهات محتملة
السيناريو التوقع الأثر
تصعيد جديد في كردستان أو الخليج ارتفاع مؤقت في الأسعار قد يصل لـ75 دولارًا لكن غير مستدام
تخفيف في تخفيضات أوبك ضغط نزولي مستمر قد يصل السعر إلى 65 دولارًا
تسوية تجارية أميركية – صينية دعم للطلب ارتفاع تدريجي
تباطؤ عالمي (خاصة أوروبا وآسيا) ضعف الطلب المستدام ضغط طويل الأمد على الأسعار
تأثيرات غير مباشرة على دول مثل اليمن
بالنسبة لليمن، فإن التغيرات في أسعار النفط العالمية تعني الكثير:
ارتفاع الأسعار = زيادة تكلفة استيراد المشتقات النفطية، وبالتالي ارتفاع أسعار النقل والغذاء.
انخفاض الأسعار = تحسن طفيف في الكلفة، ولكن لا ينعكس بالضرورة بسبب غياب آليات رقابة حقيقية على السوق المحلية، وسيطرة قوى غير رسمية على قطاع الوقود.
برميلٌ على حافة العالم
النفط لم يعد فقط وقودًا للسيارات والمصانع، بل أصبح مادة خام لمعادلات النفوذ والسيطرة. والبرميل اليوم يُقاس بنبض الجغرافيا، وهواجس السياسة، وسيناريوهات الانتخابات الأميركية.
في النهاية، تقف الأسواق في منتصف مهبّ ريح: لا استقرار واضح، ولا أزمة شاملة. بل تذبذب محسوب، وانكشاف غير معلن على مفاجآت قد تأتي من سماء كردستان، أو من مكتب رئيس، أو من منصة حفر في خليج عدن.



