
“أشتغل من الصبح وما أعرف متى ينتهي اليوم، كنس، غسل، طبخ، ترتيب، وأحيانًا رعاية الأطفال أو كبار السن، وكل يوم نفس التعب”.. تشرح “أم فاطمة”، اسم مستعار لعاملة منزل، يومياتها القاسية.
وتوضح أنها تعمل دون عقدٍ يُنظم عملها أو يحدد حقوقها، وأجرها قليل ويتأخر في كثير من الأحيان، “لو طلبتُ حقي يقولوا لي: مش عاجبك؟ في غيرك كثير… فأسكت عشان ما أفقد شغلي”.. تزيد “أم فاطمة”.
وتشير إلى أن التعامل معها لا يكون لائقًا في أحيانٍ كثيرة، من خلال كلماتٍ وأفعالٍ تقلل من قيمتها الإنسانية، مضيفةً: “أحس أني مو بشر أحيانًا، بس ما أقدر أتكلم”.
وتوضح أن عاملات المنازل يقدمنَ عملًا أساسيًا داخل بيوت الآخرين، لكن معاناتهنّ غالبًا غير مرئية، مشددةً على أن مطالبهنّ لا تتجاوز: “معاملة إنسانية، أجرًا عادلًا، وتنظيمًا قانونيًا يضمن حقوقها وكرامتها”.
عبودية مقنعة
فخلف جدران البيوت، حيث لا تصل الكاميرات ولا تُسمع الشكاوى، تُسحق كرامة آلاف النساء العاملات في المنازل، في واقعٍ يشبه “العبودية المقنّعة”، وسط غيابٍ شبه كاملٍ للحماية القانونية، وضياع أبسط الحقوق الإنسانية.
معاناة غير مرئية، تختزلها سواعدٌ منهكة وأجسادٌ متعبة تطالب بالعدالة والأمان، في قطاعٍ لا يزال خارج أي تنظيمٍ قانوني يضمن الكرامة أو أجرًا منصفًا لتعب السنين.
نزوح واستغلال
أجبرت ظروف النزوح، “أم أحمد العياني”، امرأة أربعينية، على العمل في المنازل، تقول: “نزحتُ من يريم بمحافظة إب، وعملتُ شغالة بيوت في تعز منذ سبع سنوات. بيني وبين أصحاب العمل علاقة شغل بالكلام فقط، دون عقدٍ يحدد حقوقي وواجباتي”.
تبدأ “أم أحمد” يومها مع طلوع الشمس، بين تنظيفٍ وطبخٍ وغسيلٍ ورعاية أطفال، وأحيانًا يستمر العمل حتى الليل دون راحة. “المطلوب كثير، وإذا قصّرت أو تعبت يُحسب عليّ تقصير، دون حساب لتعبي”.. تتابع حديثها.
وتصف المعاملة بأنها “غير عادلة” في كثيرٍ من الأحيان، وتشعر بأنها تُعامَل بدونية. “يحسسوني إني أقل منهم، كأني مش آدمية، مجرد خادمة”.. تقول.
وتزيد: “أكثر ما يؤلمني الكلام الجارح والصياح والتقليل من قيمتي، صحيح ما في ضرب، لكن الجرح النفسي أعمق”.
وتضيف أن الخوف من فقدان العمل يمنعها من المطالبة بحقوقها “أرجع البيت مهمومة، أفكر طول الليل، أخاف أتكلم أو أطالب بحقي”.
وتشير إلى أن الراتب غير منتظم، وقد يتأخر أو ينقص، ومع غياب الإجازات أو التأمين؛ تضطر للعمل حتى في حال المرض. “الغياب يعني خصم أو طرد، لا تأمين، لا ضمان، ولا حماية”.
“أم أحمد” كشفت أن العمل أثّر عليها نفسيًا وجسديًا، حيث أصبحت أكثر عصبية، قليلة النوم، ومليئةً بالقلق، لكنها تتحمل من أجل أولادها.. وتكمل: “ما نطلب المستحيل، نطلب معاملة محترمة، وراتب في وقته، نشتغل عشان نعيش بكرامة، لا نتبهذل يوميًا”.
وتختتم حديثها: “مش كل الناس سوا؛ في ناس محترمين يقدروك، وفي ناس يشوفوك خادمة بدون مشاعر، لكن ما باليد حيلة غير الصبر”.
خدمات الحماية
توضح رئيسة اتحاد نساء اليمن بمحافظة تعز، صباح راجح، أن آليات استقبال الشكاوى في الاتحاد موحّدة، وتشمل النساء المعنفات والناجيات من العنف.
وأضافت: “وتندرج عاملات المنازل ضمن هذه الآلية في حال تعرضنّ لأي شكلٍ من أشكال العنف، بما في ذلك العمل لساعاتٍ طويلة أو العمل دون عقدٍ يحدد الحقوق والراتب والتأمين”. معتبرةً أن غياب هذه الضمانات يُعد شكلًا من أشكال العنف.
وتشير إلى أن طبيعة العمل المنزلي لا تمنع بالضرورة وصول العاملات إلى الاتحاد، إلا في الحالات التي تكون فيها العاملة من خارج المنطقة أو جاءت عبر مكاتب، ما يحد من قدرتها على الخروج أو الوصول لخدمات الاتحاد، بينما تكون العاملات من نفس المنطقة أكثر قدرة على الاستفادة من الخدمات.
وتُبيّن راجح أن الاتحاد ينفذ برامج توعوية قانونية تستهدف النساء العاملات في الأعمال المُنظَمة وغير المنظمة، لتعريفهنّ بحقوقهنّ القانونية، بما يشمل ساعات العمل والإجازات وغيرها من الضمانات.
آثار نفسية عميقة
من جانبه، يقول أستاذ علم النفس المساعد بجامعتي تعز والحديدة، الدكتور أنور الزبيري: “العمل في بيئةٍ منزليةٍ غير منظمة يترك آثارًا نفسيةً واجتماعية خطيرة على النساء العاملات؛ نتيجة غياب العقود وساعات العمل الواضحة والحماية القانونية”.
ويتابع: “طول ساعات العمل والتعامل الدوني يولدان ضغطًا نفسيًا وقلقًا دائمًا وخوفًا من فقدان العمل؛ ما يؤدي إلى انخفاض تقدير الذات، واضطرابات النوم، والإرهاق النفسي”.
و”قد يدفع هذا العديد من العاملات إلى العزلة الاجتماعية وتطبيع الإساءة باعتبارها جزءًا من طبيعة العمل”.. يزيد المحامي الزبيري.
ويشير إلى أن العاملات المعرضات للعنف أو الاستغلال تظهر عليهنّ أعراض نفسية وسلوكية، أبرزها الاكتئاب، نوبات البكاء، الشعور بالعجز أو الذنب، وأعراض اضطراب ما بعد الصدمة، وانسحاب اجتماعي، داعيًا على أهمية التدخل النفسي المبكر إلى جانب التوعية بالحقوق.
حقوق مستثناة من القانون
من جانبه، يوضح المحامي ياسر المليكي، أن قانون العمل اليمني يستثني عاملات المنازل صراحةً من نطاقه، ما يحرمهنّ من الآليات السريعة والميّسرة للمطالبة بالحقوق، مثل اللجان العمالية المختصة.
ويلفت إلى أن هذا الاستثناء يجعل العاملات خاضعات فقط للقوانين العامة، وعلى رأسها القانون المدني، حيث يُنظر إلى الأجر بوصفه دَينًا على صاحب العمل، وهو ما يختزل حقوقهنّ في المطالبة بالأجور فقط، متجاهلًا حقوقًا أساسية كالإجازات، التأمين الصحي، التقاعد، والحماية من المخاطر المهنية.
المليكي اعتبر أن غياب الحماية القانونية يطرح تساؤلات حول تجاهل هذه الشريحة الواسعة، مطالبًا بضرورة رفع وعي المجتمع بمسؤوليتهم الأخلاقية تجاه عاملات المنازل، ومعاملتهنّ بما يوازي ما يحصل عليه العمال في القطاعات الأخرى.
حقوق مهدورة ومسؤولية مجتمعية
الناشطة الحقوقية إشراق المذحجي، ترى أن تبني ملف عاملات المنازل يجب أن يكون من منظمات المجتمع المدني ومؤسسات حقوق الإنسان؛ لفرض عقود عملٍ واضحة تشمل ضماناتٍ تحمي سلامتهنّ وكرامتهنّ، مع عقوباتٍ رادعة للتجاوزات.
وترى أن رفع الوعي المجتمعي أداة أساسية، عبر فرق ميدانية، منشورات، لجان، دورات، ومحتوى إعلامي ومسرحي، يرسخ فكرة أن العاملة إنسانة كأي امرأةٍ، دفعتها الحاجة للعمل.
وتشير إلى أن عملهنّ يجب أن يُعامَل كأي وظيفةٍ أخرى، مع إمكانية المطالبة بالحقوق عبر التوعية في ظل غياب القوانين.
المذحجي تقارن بين الوضع في دول الخليج، حيث تُنظم قوانين توظيف عاملات المنازل برواتب واضحة وساعات عمل وإجازات وتأمين، وبين اليمن.
“حيث تمتلك نحو 10% من الأسر اليمنية عاملات، في ظل غياب القوانين الرادعة؛ ما يسمح بالاستغلال والعمل الشاق مقابل أجرٍ زهيد”.. تقول المذحجي.
وتختتم: “المجتمع اليمني بحاجة إلى “قوانين أخلاقية” بقدر حاجته إلى تشريعات قانونية، معتبرةً أن المعاملة الإنسانية يجب أن تحكم علاقة العمل؛ لأن الكرامة لا تحتاج دائمًا إلى قانون، بل إلى ضميرٍ حي.
تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع تعزيز دور وسائل الإعلام في دعم قضايا الصحة الإنجابية والعنف القائم على النوع الاجتماعي الذي ينفذه مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي



