
تحمل ملامح “توجان” الفتاة ذات الـ(25 ربيعًا) قصة انتصارٍ نادرة، تبدأ من ريف المسراخ بمحافظة تعز (جنوب غرب اليمن).
كانت “توجان” طالبة في الثانوية حالمة كغيرها، ترسم مستقبلها بثقةٍ وهدوء، غير أن القدر أعدّ لها امتحانًا قاسيًا، فبعد زواجها بفترةٍ قصيرة، ورغم فرحتها بمولودها الأول باغتها مرض الفشل الكلوي.
مرض قلبَ حياتها رأسًا على عقب، وبدأت رحلة علاجٍ طويلة ومرهقة؛ لكنها لم تتوقع أن تأتيها الصدمة الكبرى من زوجها، الذي كان يفترض أن يكون سندها، غير أنه قرّر الانسحاب من حياتها؛ تاركًا وراءه زوجةً مريضةً وطفلًا رضيعًا.
تقول “توجان”: “تقبلتُ الأمر بروحٍ ثابتةٍ، وجوده وعدمه كانا واحدًا، فقررتُ أن أعيش من أجل ابني فقط”.
في ذروة الألم ظهر الضوء من أقرب مكان لها، والدها ووالدتها، ورغم انه رجل بسيط، لكن والدها لم يتردد عندما علم أن التبرع بإحدى كليتيه قد ينقذ حياة ابنته.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد باع والد “توجان” كل ما يملك؛ ليسافر بها إلى الأردن للعلاج، بعد عجز المستشفيات المحلية عن ذلك.
رحلة الأمل والأحلام
هناك، بدأت رحلة الأمل، ثمانية أشهر من الفحوصات والانتظار والقلق، تحملت خلالها “توجان” ألم المرض وقلق الأمومة على طفلٍ بعيد، ودموع أمٍ وأبٍ يخافان عليها ولا يبوحان.
ثم جاءت اللحظة الفاصلة، نجحت عملية زراعة الكِلية، لحظةٌ امتزج فيها الفرح بدموع التضحية، وبالشعور بأن الحياة منحتها فرصةً ثانية.
عادت “توجان” بروحٍ جديدة، وإصرارٍ نابع من تجربةٍ قاسية، قررت أن تحول الألم إلى رسالة، فالتحقت بالجامعة واختارت تخصص “مساعد طبيب عام”؛ بدافعٍ إنساني؛ لتمنح المرضى ما كانت تتمناه يومًا.
واجهت صعوبات الدراسة لكنها لم تتراجع، وتطوعت في مركزٍ صحي لأكثر من عام ونصف دون مقابل، إلى أن حصلت على وظيفةٍ رسمية كممرضةٍ؛ لتبدأ مرحلةً جديدة من حياتها.
اليوم توازن “توجان” بين مهنتها ورسالتها ورعاية طفلها، الذي أصبح مصدر قوتها وأكبر أسباب استمرارها، وما تزال أحلامها تتوسع، “بيتٌ صغير يأويها وابنها، دراسةٌ عليا في المجال الصحي, ومبادراتٌ لدعم مرضى الفشل الكلوي والمطلقات”.
توجان لا تستسلم
“جميلة”، إحدى الصديقات المقرّبات من “توجان” تقول: “إن شخصيتها قبل المرض كانت قويةً وعالية المعنويات إلى حدٍ لافت، ولم تكن تعرف الاستسلام أبدًا”.
وتضيف: “بعد الأزمة تغيّرت كثيرًا، لكنها لم تضعف، بل ازدادت صلابةً ونضجًا وأصبحت أكثر وعيًا وقوةً؛ مما كانت عليه سابقًا”.
وعن لحظة إصابتها بالفشل الكلوي، تشير صديقتها “جميلة”، إلى أن “توجان” واجهت الخبر بقوةٍ منذ البداية، لم تنهار ولم تسمح للخوف أن يسيطر عليها، بل تعاملت مع المرض بإرادةٍ ثابتة وعزيمةٍ واضحة ظهرت في كل تفاصيل رحلتها العلاجية.
وتوضح أن أصعب المراحل التي مرت بها “توجان” كانت فترات المرض والغسيل الكلوي، ورغم قسوتها، كانت تواجهها بقلبٍ قوي وصبرٍ كبير، مستندةً إلى عزيمةٍ عالية لم تفارقها في أي وقت.
واختتمت “جميلة” تصريحها حول صديقتها بالإشارة إلى أن ما يُميز “توجان” اليوم عمّا كانت عليه قبل التجربة هو قوتها الداخلية العميقة ونظرتها المختلفة للحياة، فقد صقلتها المحنة وجعلت منها إنسانةً أكثر إصرارًا وقدرةً على مواجهة الصعاب، ونموذجًا حقيقيًا للمرأة القوية التي تصنع الأمل من الألم.
والدة “توجان”: ابنتي لا تُهزم
تُجسّد قصة “توجان” مثالًا نادرًا على القوة والإصرار في مواجهة أصعب الأزمات الصحية والإنسانية.
فقبل المرض كانت تتمتع بشخصيةٍ قوية، ومع دخولها في تجربة المرض لم تنكسر هذه الشخصية، بل تغيّرت نحو مزيد من النضج والصلابة؛ لتصبح أكثر قوة مما كانت عليه.
تقول والدة “توجان” في تصريح خاص: “عندما أصيبت بالفشل الكلوي، أظهرت توجان قوةً لافتة منذ اللحظة الأولى. لم تعرف الانهيار، بل واجهت الأمر بثباتٍ نفسي وإيمانٍ عميق؛ ما انعكس على تعاملها مع العلاج والظروف الصعبة المحيطة بها”.
وتذكر والدتها أصعب المراحل التي مرّت بها كانت فترات المرض والغسيل الكلوي، ورغم قسوتها، كانت تتعامل معها بعزيمةٍ عالية وإرادةٍ لا تلين، لم تسمح للألم أن يُضعفها، بل كانت تواجه كل جلسة علاجٍ بروح التحدي والصبر.
تحمل المسؤولية
وبعد نجاح العملية وعودتها إلى حياتها الطبيعية، أثبتت “توجان” قدرتها الفائقة على التنظيم وتحمل المسؤولية.
فقد كانت دقيقةً في مواعيد علاجها، ملتزمةً بتعليمات الأطباء، تستخدم المنبه للالتزام الدقيق بالأوقات المحددة، وفي الوقت ذاته كانت مجتهدةً في دراستها، محافظةً على تفوقها الأكاديمي.
أما طفلها، فكان دائمًا في مقدمة أولوياتها، حيث لم تُقصّر بحقه في أي جانبٍ من جوانب الرعاية والاهتمام.
تجربة “توجان” صنعت منها نموذجًا ملهمًا لكل من يواجه الألم، بأن القوة الحقيقية تولد في أصعب اللحظات.
صدمة مزدوجة
في تقييمه للتأثيرات النفسية والاجتماعية المعقدة التي قد تواجهها المرأة، يشير أخصائي علم الاجتماع، الدكتور عيبان الصبري في تصريحٍ خاص إلى أن اجتماع المرض المزمن مع تجربة طلاقٍ مفاجئ يشكل صدمةً نفسيةً مزدوجة ذات أثر بالغ.
فالطلاق غير المتوقع يضيف عبئًا عاطفيًا ثقيلًا يتمثل في الحزن والغضب والشعور بالفشل والقلق من المستقبلين الاقتصادي والاجتماعي، يضيف الدكتور الصبري.
ويزيد: “تزامن المعاناة الصحية طويلة الأمد، يضاعف الإجهاد النفسي؛ ليزيد من احتمالات الاكتئاب والقلق، ويُضعف القدرة على التكيّف الاجتماعي، ويؤثر سلبًا في جودة الحياة عمومًا؛ ما يجعل التدخل النفسي والدعم الاجتماعي أمرًا ضروريًا؛ لتفادي تدهور الحالة النفسية والصحية معًا”.
ويشير الدكتور الصبري إلى أن الدعم الأسري يلعب دورًا محوريًا وحاسمًا في مسار التعافي النفسي والاجتماعي، خاصةً دعم الأب الذي يمثل عاملًا وقائيًا رئيسيًا في مواجهة الأزمات.
فوجود أسرةٍ داعمةٍ يخفف الشعور بالعزلة ويعزز الثقة بالنفس، بينما يمنح دعم الأب على وجه الخصوص إحساسًا عميقًا بالأمان والاستقرار العاطفي والاقتصادي ويشكّل شبكة حمايةٍ نفسية فعّالة، بحسب الأخصائي الاجتماعي.
ويواصل: “الخبرات الميدانية تُظهر النساء اللواتي يحظين بدعمٍ أسري حقيقي خلال الأزمات يسجلنّ مستوياتٍ أقل من الاكتئاب والقلق، ويبدين قدرةً أفضل على التكيّف الاجتماعي واستعادة السيطرة على حياتهنّ في وقتٍ أقصر”.
وفيما يتعلق بالتعامل مع الضغط النفسي المصاحب للأمراض المزمنة يشدد، الدكتور عيبان الصبري، على أهمية الاعتراف بالمشاعر الإنسانية الطبيعية، وعدم إنكارها أو لوم الذات عليها، مع ضرورة طلب الدعم الأسري ومن الأصدقاء.
كما يوضح أن الاستشارة النفسية سواءً من خلال العلاج السلوكي وجلسات الإرشاد تسهم بشكل فعّال في تخفيف التوتر وتحسين القدرة على التكيف.
ويضيف الصبري: “ممارسة نشاطٍ بدني مناسب لقدرات الجسد، مثل المشي؛ تساعد على تعزيز الصحة النفسية والجسدية، إلى جانب تقنيات إدارة الإجهاد، كالتأمل وتمارين الاسترخاء والتنفس العميق”.
ويختتم الدكتور الصبري تصريحه بالإشارة إلى أهمية التخطيط العملي للحياة اليومية والمالية، والحفاظ على التواصل الاجتماعي الإيجابي؛ لما له من دورٍ أساسي في تحسين المشاعر النفسية وتعزيز الإحساس بالانتماء.
رسالة “توجان” لكل امرأة عايشت ما مرّت به تتلخص في أن الحياة لا تتوقف عند أحد، فالله يختار لك الألم لأنه يعلم أنك قادر على تجاوزه، فالألم بداية حياة وليس نهايتها.
تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع تعزيز دور وسائل الإعلام في دعم قضايا الصحة الإنجابية والعنف القائم على النوع الاجتماعي الذي ينفذه مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي



