اخبار وتقارير

الحوثي يأكل صغاره.. وصاروخ إسرائيلي يفجّر الصراع داخل “بيت الولاية”

تيار نيوز –تقرير خاص

كل الثورات تأكل أبناءها، لكنّ الحوثي ابتكر وصفة جديدة: أن يُؤكل من الداخل بصاروخٍ من الخارج.
ففي الوقت الذي تتغنّى فيه الجماعة الحوثية بـ”الثبات الإلهي”، جاءت الضربة الجوية الإسرائيلية التي قتلت محمد الغماري – رئيس هيئة الأركان وأحد أكثر قادتها نفوذًا – لتفجّر ما تبقّى من تماسكها الداخلي، وتُدخلها في دوّامة تصفيات واتهامات متبادلة.

العدو الخارجي هذه المرة لم يكن واشنطن أو الرياض، بل تل أبيب التي وجّهت صاروخًا دقيقًا إلى قلب غرفة القيادة الحوثية لكنّ الارتجاج الحقيقي لم يحدث في ميدان الضربة… بل في دهاليز صنعاء، حيث بدأ رفاق الأمس يتبادلون تهم “الخيانة” و”التخابر” على طريقة المافيات، لا الحركات الثورية.

من اغتيال الغماري إلى انفجار الداخل

كانت ضربة إسرائيلية واحدة كافية لتُشعل برميل البارود داخل الجماعة.
فمقتل الغماري، الذي كان يُعدّ العقل الأمني والعسكري الأبرز، لم يُفقد الحوثيين قائداً فحسب، بل كشَف هشاشة منظومتهم الأمنية أمام اختراق استخباراتي غير مسبوق.

في غضون ساعات من إعلان مقتله، بدأت حملة اعتقالات داخل صفوف الجماعة في صنعاء، شملت ضباطاً ومقربين وكان آخرهم ياسر الحوري، أمين سر المجلس السياسي الأعلى، بتهمة “التخابر مع جهات خارجية”.
الرسالة كانت واضحة: من سرّب موقع الغماري… لن ينجو أحد.

لكن خلف هذا الغضب “الثوري”، بدأت حرب خفية بين يوسف المداني وقيادات أخرى، كلٌّ يحاول تبرئة نفسه عبر إلصاق التهمة بالآخر.
وهكذا تحوّل الغماري من ضحية لصاروخ إسرائيلي إلى فتيل انفجار داخلي حوثي.

 المداني يمدّ قبضته.. انقلاب أمني بثوب الثأر

القيادي العسكري يوسف المداني ظهر فجأة كرجل المرحلة.
قاد بنفسه الحملة ضد مسؤولين سياسيين وعسكريين، وبدأ بترتيب المشهد وكأنّ مقتل الغماري فتح له باب “الشرعية الثأرية” لتصفية خصومه.
مصادر خاصة أكدت أن المداني يتصرّف اليوم كحاكم فعلي لصنعاء، ويتحكم بجهاز الأمن الوقائي الذي تحوّل إلى دولة داخل الدولة.

تحت شعار “كشف العملاء”، تم اعتقال العشرات، بينهم ضباط في الاستخبارات ومقربين من المجلس السياسي.
لكن مراقبين يرون أن هذه الحملة ليست سوى غطاء لعملية إحلال داخلية تُمكّن المداني من السيطرة على الأجهزة الأمنية والعسكرية بالكامل، بتنسيق مباشر مع مستشارين من الحرس الثوري الإيراني.

 تآكل الثقة في “الولاية”.. وانكسار قداسة القيادة

مقتل الغماري لم يكن ضربة عسكرية فحسب، بل ضربة في عمق العقيدة الحوثية.
التيار الهاشمي الذي كان يتعامل مع الغماري كـ”درع الثورة”، شعر بالخذلان: كيف يمكن لصاروخ إسرائيلي أن يخترق كل هذا “التحصين الإلهي” دون أن يكون هناك اختراق استخباراتي داخلي؟

هذا التساؤل حوّل “الإيمان الثوري” إلى بارومتر شك داخل الجماعة.
الهاشميون يتوجسون من العسكريين، والعسكريون يشكّون في المكاتب السياسية، وعبدالملك الحوثي، المعزول في صعدة، يعيش اليوم على تقارير متناقضة من أجهزته المتناحرة.
لقد سقطت قداسة القيادة، وحلّ محلها منطق السلاح والمعلومة.

بين الضربة الإسرائيلية والولاء الإيراني.. صنعاء تترنّح

في الوقت الذي يلهث فيه الإعلام الحوثي لاتهام “التحالف” بالضلوع في الاغتيال، جاءت بصمات الاستهداف الدقيقة لتؤكد أنها عملية إسرائيلية خالصة، استندت إلى معلومات دقيقة حصلت عليها تل أبيب عبر شبكة مراقبة استخباراتية في البحر الأحمر واليمن.

وهنا انكشف الوجه الآخر للأزمة:
طهران، التي استثمرت في الحوثيين طيلة عقد، تتهم بعض القيادات اليمنية الميدانية بالتراخي والتسريب، وبدأت هي الأخرى عملية “فلترة ولاءات” قاسية عبر مستشاريها الأمنيين في صنعاء وصعدة.
بمعنى آخر: إسرائيل قصفت… وإيران فتّشت.

نتيجة ذلك، باتت صنعاء اليوم تحت ثلاثة مستويات من الرعب:

  1. الخوف من الاستهداف الخارجي.
  2. الخوف من التصفية الداخلية.
  3. الخوف من الغضب الإيراني الصامت.

تحليل استخباراتي: قراءة ما وراء الكواليس

 من سرّب موقع الغماري؟

التحقيقات الحوثية تتحدث عن “جهة خارجية”، لكنّ أجهزة استخبارات عربية ترجّح أن الاختراق تم عبر دوائر اتصال عسكرية داخلية تابعة لجناح الغماري نفسه.
إسرائيل – وفق التقديرات – استفادت من خريطة اتصالات بحرية التقطتها أقمارها الاصطناعية عبر البحر الأحمر، لكن المعلومة الميدانية الدقيقة حول موقع الغماري جاءت من تسريب داخلي متعمّد.

 الحملة ضد الحوري.. غطاء أمني لتطهير سياسي

اعتقال ياسر الحوري يُستخدم كـ”كبش فداء” في معركة أكبر.
الحوري ليس عسكريًا، بل إداريٌّ سياسي، ما يجعله هدفًا مثاليًا لإظهار أن “المؤامرة” طالت حتى أعلى المستويات.
لكن في الواقع، الحملة تُدار لإحكام السيطرة على ما تبقى من المجلس السياسي وتحويله إلى مجرد واجهة رمزية بلا صلاحيات.

 الدور الإيراني الخفي

مصادر استخبارات إقليمية تؤكد أن مستشارين من الحرس الثوري وصلوا إلى صنعاء بعد الضربة بيومين فقط، لتقييم الوضع وإعادة توزيع المهام الأمنية.
المهمة المعلنة: “منع الاختراق الإسرائيلي”.
المهمة الحقيقية: إعادة هندسة القيادة بعد مقتل الغماري لصالح جناح المداني الأكثر ولاءً لطهران.

 قراءة مستقبلية

في الأشهر القادمة، من المتوقع أن تشهد الجماعة مزيدًا من التصفيات المقنّعة تحت لافتة مكافحة التجسس.
الجناح العسكري سيتضخم، بينما الجناح السياسي سيتآكل.
أما القيادة الروحية في صعدة فستتحول تدريجيًا إلى رمز صامت أكثر من كونها مركز قرار.

الضربة التي قتلت الغماري لم تقتل رجلًا واحدًا… بل قتلت وهم الحصانة داخل “الولاية”.
إسرائيل ضغطت الزناد، لكنّ الحوثيين هم من فجّروا أنفسهم بالخوف والشك والدم.

احد المواطنين علق قائلاً على ما يدور في دهاليز الجماعة:

من يعبد السلاح يُقتل به،
ومن يبني سلطته على الخيانة، يُخنق بها.

صنعاء اليوم لا تنام…
كل جدار فيها يسمع همسًا عن “خائن جديد”، وكل ضابط ينام وهو لا يعلم:
هل سيكون غدًا في منصبه… أم في زنزانة تحت الأرض؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى