تحقيق أوروبي يكشف تزويد روسيا لمليشيا الحوثي بشحنات قمح “مسروقة” من أوكرانيا وسط إعلان حوثي بنفاد المخزون
تيار نيوز –تقرير

بينما تُعلن مليشيا الحوثي “نفاد القمح” في مناطق سيطرتها وتتهم العالم بالتخاذل الإنساني، تتكشف في المقابل أدلة دولية على وصول شحنات قمح “مسروقة” من أوكرانيا إلى موانئها عبر سفن روسية.
مفارقة تضع المشهد في خانة “الازدواج الأخلاقي”؛ فمن يرفع شعار المجاعة يتغذّى على غنائم الحرب، ومن يندّد بالحصار يستقبل البضائع المسروقة في وضح النهار.
تقرير استقصائي أوروبي جديد يربط خيوط هذه المفارقة: من شبه جزيرة القرم المحتلة إلى ميناء الصليف اليمني، حيث يختلط القمح بالأجندة السياسية، والخبز بخطط النفوذ.
وثيقة حوثية تكشف نفاد القمح وتبادل الاتهامات
أفادت شركة المحسن إخوان للتجارة – وهي إحدى الشركات التجارية التابعة لقيادات في مليشيا الحوثي – في مذكرة رسمية بتاريخ 22 أكتوبر الجاري، بأن مخزون القمح في مطاحن وصوامع البحر الأحمر بالحديدة قد نفد كلياً، وأن المنشأة توقفت عن العمل بشكل كامل.
وأوضحت الشركة أنها كانت قد نبهت وزارة الصناعة في حكومة الحوثيين قبل أسابيع إلى ضرورة السماح بدخول شحنات جديدة، غير أن الوزارة تجاهلت تلك التحذيرات، ما أدى إلى توقف العملية الإنتاجية.
الوثيقة حمّلت الوزارة الحوثية كامل المسؤولية، في حين رأت مصادر اقتصادية أن الإعلان “يخدم أهدافاً سياسية تتعلق بإدارة السوق والضغط على التجار والجهات الإنسانية”.
شكوك اقتصادية وتحذيرات من “أزمة مصطنعة”
عدد من الخبراء والناشطين الاقتصاديين شككوا في صحة إعلان نفاد القمح.
المحلل الاقتصادي رشيد الأنسي أكد في منشور على “فيسبوك” أن كميات كبيرة من القمح وصلت إلى ميناء الصليف الخاضع لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الماضية، مشيراً إلى أن هذه الكميات تكفي لتغطية الاحتياج لعدة أشهر.
ووصف الأنسي الإعلان بأنه “جزء من حملة تضليل تهدف إلى افتعال أزمة إنسانية جديدة تتيح للمليشيا التحكم في السوق، واستدرار الدعم الخارجي عبر خطاب الجوع”.
تحقيق أوروبي يفضح خطوط التهريب من القرم إلى اليمن
التحقيق الذي نشرته منصة Bellingcat الهولندية كشف عن تورط عدد من السفن الروسية في تهريب شحنات القمح الأوكراني المسروق إلى مليشيا الحوثي، عبر التحايل على العقوبات الغربية وتضليل بيانات الرحلات البحرية.
وبحسب التقرير، فإن السفينة الروسية “إيرتيش” قامت بإيقاف نظام التتبع خلال رحلتها من ميناء سيفاستوبول في القرم إلى ميناء الصليف اليمني، مروراً بجيبوتي حيث حصلت على تصريح من آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش (UNVIM).
كما أشار التحقيق إلى أن سفينتين أخريين – “ماتروس بوزينيتش” و“زفر”– شاركتا في عمليات مماثلة، وأن إحداهما ما زالت راسية في ميناء الصليف منذ منتصف أكتوبر الجاري.
وتؤكد هذه البيانات أن مليشيا الحوثي باتت جزءاً من شبكة تهريب روسية لتصريف القمح الأوكراني المنهوب في مناطق خارجة عن الرقابة الدولية.
بين الحسابات الروسية والحوثية.. إلى أين يتجه المشهد؟
يرى مراقبون أن هذا التطور يعكس تنامي الشراكة غير المعلنة بين موسكو والمليشيا الحوثية، في ظل تقاطع مصالح الطرفين في كسر العزلة الدولية المفروضة عليهما.
فروسيا، الباحثة عن منافذ جديدة لتصريف منتجاتها المحظورة، تجد في الموانئ اليمنية الخاضعة للحوثيين مساحة مثالية للالتفاف على العقوبات، بينما تستفيد المليشيا من ذلك لتثبيت سيطرتها الاقتصادية والضغط السياسي على المجتمع الدولي.
وفي ضوء ذلك، تتجه التوقعات إلى ثلاثة احتمالات رئيسية:
- استمرار تدفق القمح الروسي إلى مناطق الحوثيين بصورة غير مباشرة، ما يعزز نفوذ موسكو في البحر الأحمر.
- تحرك أممي محتمل للتحقيق في مسارات تهريب الحبوب وتورط السفن الروسية، خاصة مع ورود معلومات عن استخدام وثائق تفتيش أممية.
- استغلال الحوثيين للأزمة المفتعلة كورقة سياسية لابتزاز المانحين وتحقيق مكاسب مالية جديدة تحت غطاء “الوضع الإنساني”.
وبين “قمحٍ مسروق” و“جوعٍ مُفتعل”، تظل معادلة الحوثي الاقتصادية قائمة على خلق الأزمة ثم الاتجار بها، بينما يتكرس الارتباط السياسي مع موسكو في واحدٍ من أكثر ملفات الحرب اليمنية غموضاً وتداخلاً دوليًا.



