
في تطوّر يُثير الجدل القانوني والسياسي، أعلنت ما تُسمّى بوزارة الخارجية التابعة لجماعة الحوثي في صنعاء نيتها مراجعة الاتفاقيات الموقعة مع المنظمات الدولية، في خطوة تُعدّ تحديًا صريحًا للقانون الدولي ومبدأ المشروعية.
ويرى خبراء القانون الدولي أن هذا الإعلان لا يملك أي أثر قانوني، كون الجماعة لا تتمتع بأي صفة أو اعتراف رسمي يمكّنها من تعديل أو تعليق اتفاقيات أبرمتها الدولة اليمنية المعترف بها دوليًا.
دبلوماسية بلا شرعية: جماعة بلا تفويض تتحدث باسم الدولة
قرار مجلس الأمن رقم (2216) واضح في توصيف الجماعة كطرف متمرّد استولى على مؤسسات الدولة بالقوة، ما يجعل أي تصرف أو اتفاق تصدره منعدم الأثر.
وبحسب اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، فإن غياب الأهلية القانونية يسقط تلقائيًا أي تعديل أو انسحاب من الاتفاقيات الدولية.
وعليه، تبقى الاتفاقيات التي أبرمتها الحكومة اليمنية الشرعية مع المنظمات الأممية سارية المفعول، ولا يمكن لأي كيان محلي غير معترف به أن يُغيّر في مضمونها أو يُلزم المجتمع الدولي بقراراته.
ويؤكد مختصون أن محاولة الجماعة التحدث باسم الدولة “تفتح الباب لسابقة خطيرة” في العلاقات الدولية، إذ تمنح جماعة مسلحة غير معترف بها فرصة لخلخلة النظام القانوني الدولي القائم على مبدأ سيادة الدول لا المليشيات.
الإنسانية تحت الحصار… سلاح المساعدات في يد السياسة
تُظهر الخطوة الحوثية محاولة واضحة لتسييس العمل الإنساني، عبر فرض شروط على المنظمات الدولية ومنحها تراخيص مرهونة بولاء سياسي.
ويخشى مراقبون أن تكون هذه الخطوة مقدمةً لانتزاع اعتراف غير مباشر بالجماعة من خلال تعامل المنظمات معها كـ“سلطة أمر واقع”، وهو ما يشكل اختراقًا لمبدأ الحياد المنصوص عليه في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (46/182) لسنة 1991
وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت الانتهاكات ضد العاملين في المنظمات الدولية داخل مناطق سيطرة الجماعة، من اعتقالات ومصادرة معدات إلى اقتحام مقار رسمية، في خرق واضح لاتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946.
هذه الممارسات، بحسب تقارير أممية، لا تقوّض فقط العمل الإنساني، بل تهدد وصول المساعدات إلى ملايين المحتاجين، وتحوّلها إلى أداة تفاوض سياسي تستخدمها الجماعة لتثبيت نفوذها الداخلي.
صمت رسمي مكلف… أين موقف الحكومة الشرعية؟
رغم جسامة التصريحات الحوثية، لم يصدر حتى الآن أي رد واضح من الحكومة الشرعية، وهي الجهة الوحيدة المخوّلة قانونًا بتمثيل اليمن دوليًا.
ويرى محللون أن هذا الصمت يترك فراغًا خطيرًا في الخطاب الرسمي، ويمنح الجماعة فرصة لبناء “واقع موازٍ” على الصعيد الدولي، فيما يفترض أن يكون الرد حاسمًا لتأكيد أن الشرعية لا تُكتسب بالقوة، بل بالاعتراف الدولي واحترام القانون.
ويشير قانونيون إلى أن الموقف الرسمي المطلوب لا يقتصر على إصدار بيان، بل يتطلب تحركًا دبلوماسيًا فاعلًا لتجديد تأكيد المجتمع الدولي على أن الحكومة المعترف بها وحدها تملك صلاحية توقيع أو تعديل الاتفاقيات، ولإدانة أي محاولات انقلابية لتقويض التزامات اليمن الدولية.
إعلان بلا أثر… ورسالة سياسية خطيرة
من منظور القانون الدولي، لا تملك جماعة الحوثي أي صلاحية لمراجعة أو تعديل الاتفاقيات المبرمة باسم الجمهورية اليمنية، وأي خطوة من هذا النوع تُعتبر باطلة ومنعدمة الأثر.
لكن من منظور السياسة الواقعية، تكشف الخطوة عن نزعة الجماعة لفرض “سيادة الأمر الواقع” وتطويع القوانين الدولية لخدمة مشروعها الداخلي.
وفي نهاية المطاف، تظل الحقيقة كما هي:
القانون الدولي لا يعترف بالقوة، بل بشرعية الدولة.
وكلما تمادت الجماعة في خرق هذا المبدأ، ازداد عزلها، وتعمّق الفارق بين من يملك السلطة ومن يستحقها.



