اخبار وتقارير

اختلالات أمنية تهدد تعز بين تدخلات عسكرية وغياب الردع

تيار نيوز –تقرير خاص

ليست الأزمة الأمنية في مدينة تعز مجرد سلسلة حوادث متفرقة يمكن التعامل معها كوقائع جنائية عابرة، بل هي انعكاس لأزمة بنيوية تضرب صميم مؤسسات الدولة في واحدة من أكثر المدن اليمنية تعقيداً سياسياً وعسكرياً.

فمنذ سنوات وتعز تدفع ثمن موقعها الجغرافي وثقلها السياسي في مواجهة الحوثيين من جهة، وصراع النفوذ بين القوى المحلية من جهة أخرى، حتى تحولت المدينة إلى ساحة تتقاطع فيها الولاءات العسكرية والحزبية، على حساب هيبة القانون وأمن المواطن.

اغتيال إفتهان المشهري، مديرة صندوق النظافة والتحسين، لم يكن مجرد جريمة تستهدف شخصية عامة، بل مؤشر على مستوى الانفلات الذي بلغته المحافظة، حيث باتت حياة المدنيين مهددة في وضح النهار، دون أن يجدوا في المؤسسات الأمنية ملاذاً يحميهم. هذه الحادثة، بكل ما حملته من صدمة، أعادت إلى الواجهة حقيقة أن الخلل لم يعد في التفاصيل اليومية للأمن، بل في البنية العميقة للعلاقة بين الجيش والأمن، بين الدولة والقوى النافذة، بين الولاء الوطني والولاءات الضيقة.

من هنا، يصبح السؤال الجوهري: هل يمكن إنقاذ تعز من دوامة الانفلات عبر معالجات سطحية، أم أن الأمر يتطلب إصلاحاً شاملاً يعيد ترتيب منظومة الأمن والعسكر على أسس وطنية مهنية؟ الإجابة تكمن في قراءة دقيقة لأسباب الأزمة ومظاهرها، وما طرحه العقيد طه عون من تشخيص وحلول، وهو ما يتناوله هذا التقرير تحت ثلاثة محاور رئيسية.

تداخل الصلاحيات بين الجيش والأمن.. أزمة ثقة وفوضى متفاقمة

تواجه مدينة تعز أزمة أمنية خانقة انعكست على حياة المدنيين في تفاصيل يومهم البسيطة، بدءاً من المرور في الطرق العامة وصولاً إلى الشعور بعدم الأمان حتى داخل المؤسسات الرسمية، ويؤكد العقيد طه عون، قائد جبهة قدس أحكوم والكتيبة السادسة في اللواء 35 مدرع، أن السبب الرئيسي لهذه الفوضى يعود إلى التدخلات المتكررة لبعض الوحدات العسكرية في مهام الأجهزة الأمنية، ما أدى إلى تداخل خطير في الصلاحيات وتراجع قدرة الأمن على فرض سلطته.

هذا التدخل لم يقتصر على تعطيل مهام الشرطة والأمن العام فحسب، بل أفسح المجال لعناصر نافذة لتحويل نفوذها العسكري إلى غطاء لارتكاب جرائم وانتهاكات، أبرزها الاستيلاء على المال العام والخاص، والاعتداء على الحقوق والممتلكات.

وقد كانت حادثة اغتيال إفتهان المشهري، مديرة صندوق النظافة والتحسين، مثالاً صارخاً على مدى خطورة تغوّل بعض القوى على مهام المؤسسات الرسمية.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذه الازدواجية بين الجيش والأمن يخلق فجوة ثقة متنامية بين المواطن والدولة، حيث يشعر الأهالي بأن الأجهزة الأمنية أصبحت عاجزة عن أداء دورها، في حين تتصرف بعض الوحدات العسكرية وكأنها سلطة فوق القانون.

 نقاط عسكرية خارجة عن السيطرة وضعف الردع القضائي

من بين الإشكالات البارزة التي أشار إليها العقيد عون، بروز النقاط العسكرية والأمنية المنتشرة على الطرق العامة كأحد مصادر الانتهاكات اليومية فبدلاً من أن تكون نقاطاً لضبط الأمن وحماية المسافرين، تحولت في كثير من الأحيان إلى أماكن ابتزاز وتجاوزات بسبب خضوعها لجهات غير مختصة.

الخطوط الرابطة بين تعز والمحافظات الجنوبية مثلاً، تخضع لنقاط عسكرية متعددة، بعضها لا يتبع الأمن العام ولا الشرطة العسكرية، وهو ما يفتح المجال لفرض رسوم غير قانونية، واحتجاز المواطنين، وخلق بيئة من الخوف والشك ويرى عون أن إعادة هذه النقاط إلى سلطة المؤسسات الأمنية الرسمية هو خطوة محورية في استعادة الثقة ووقف حالة الانفلات.

أما على صعيد القضاء، فإن بطء إجراءات المحاكم في البت في قضايا القتل والجرائم يمثل عائقاً إضافياً أمام أي جهود للردع فالمجرمون يشعرون بأن الإفلات من العقاب أمر ممكن، في ظل تأخر إصدار الأحكام، أو التلاعب بسير القضايا هذه الفجوة بين الجريمة والعقوبة أدت إلى انتشار ثقافة الإفلات من العقاب، ما شجع على ارتكاب مزيد من الجرائم وأضعف هيبة الدولة.

ولعل أبرز ما يضاعف الأزمة هو أن المواطنين باتوا ينظرون إلى المؤسسات الأمنية والقضائية على أنها عاجزة أو مخترقة، الأمر الذي يفاقم من مشاعر الغضب الشعبي، كما ظهر جلياً بعد اغتيال إفتهان المشهري، حيث شهدت المدينة توتراً واسعاً ومطالبات بمحاسبة الجناة وإصلاح المنظومة الأمنية.

 ضرورة إصلاح بنيوي شامل بعيداً عن التدخلات الحزبية

يؤكد العقيد طه عون أن الحلول لا تقتصر على معالجة مظاهر الفوضى الأمنية، بل تتطلب إصلاحاً بنيوياً شاملاً داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية. ويشمل ذلك عدة محاور رئيسية:

  • أولاً، منع الأحزاب والنخب السياسية من التدخل في شؤون الأمن والجيش، حيث تحولت بعض الوحدات إلى أذرع لقوى حزبية، مما عمّق الانقسام الداخلي وأضعف الولاء الوطني.
  • ثانياً، إعادة النظر في توزيع الوحدات العسكرية داخل المحافظة، بما يضمن وضوح المهام وتكامل الأدوار بدلاً من التداخل والتنافس.
  • ثالثاً، اختيار الكفاءات المؤهلة لشغل المواقع الحساسة، بعيداً عن المحاصصة والاعتبارات الضيقة.
  • وأخيراً، تعزيز الهوية الوطنية كقاسم مشترك بين مختلف الوحدات العسكرية والأمنية، بحيث يكون الولاء للوطن والدولة فقط، لا للأحزاب أو الشخصيات النافذة.

إن هذه الإصلاحات تمثل شرطاً أساسياً للخروج من دائرة الفوضى، خصوصاً أن مدينة تعز تعيش وضعاً استثنائياً بفعل الحصار المستمر منذ سنوات، وتحتاج إلى جهاز أمني قوي وموحد قادر على حماية المدنيين وضبط السلاح المنفلت.

ويرى محللون أن أي تأجيل لهذه الإصلاحات سيضاعف من خطورة الموقف، وقد يقود إلى مزيد من الاغتيالات والفوضى، وربما انهيار المنظومة الأمنية بالكامل لذلك فإن المسؤولية تقع على عاتق السلطة المحلية وقيادة الجيش والأمن في تعز لاتخاذ قرارات جريئة تمنح الأجهزة الأمنية سلطتها الكاملة وتمنع أي تدخل خارجي.

الوضع الأمني في تعز لم يعد يحتمل مزيداً من التأجيل أو المعالجات الترقيعية. فاغتيال إفتهان المشهري كشف عن هشاشة البنية الأمنية، وأعاد إلى الواجهة حقيقة أن المدينة تحتاج إلى إصلاح شامل يعيد الاعتبار للأجهزة الأمنية والقضائية، ويمنع تدخل الوحدات العسكرية والأحزاب في مهامها.

المعادلة اليوم واضحة: إما أن يتم تبني إصلاحات جادة تعيد الأمن إلى شوارع تعز، أو أن تستمر الفوضى والانفلات بما يهدد حياة المدنيين ويمزق ما تبقى من النسيج الاجتماعي. وبين هذين الخيارين، يبقى الأمل قائماً في أن تستعيد تعز عافيتها الأمنية وتؤسس لنموذج وطني يعكس طموحات أبنائها وتضحياتهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى