اخبار وتقارير

دبلوماسية العليمي في نيويورك: بحث عن شرعية ودعم منسي

تيار نيوز –تحليل خاص

في الوقت الذي تتقاطع فيه الأزمات الإقليمية والدولية على نحو متسارع، وتتصدر ملفات ساخنة كالحرب في أوكرانيا، والتوتر في بحر الصين الجنوبي، والممرات البحرية في الشرق الأوسط، كان لليمن أن يبحث عن موطئ قدم يعيد إليه بعضاً من الاهتمام الدولي المفقود.

وفي قلب نيويورك، وبين أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين، تحرك رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي ضمن جدول مزدحم باللقاءات الثنائية والمتعددة الأطراف، في محاولة واضحة لإعادة تسليط الضوء على القضية اليمنية وربطها بالمصالح العالمية.
لقد عقد العليمي ما يقارب سبعة عشر لقاءً مع قادة دول ورؤساء حكومات ووزراء خارجية ومسؤولي منظمات دولية، رافعاً معه أجندة متنوعة تبدأ من الأمن البحري وتهريب السلاح الإيراني، ولا تنتهي عند قضايا حقوق الإنسان والإغاثة الإنسانية.

هذه اللقاءات لم تكن مجرد مشهد بروتوكولي؛ بل تحمل في طياتها دلالات سياسية عميقة، وخلفيات تتعلق بالشرعية اليمنية، وبالتوازنات داخل مجلس القيادة نفسه، وبطبيعة اللحظة الدولية التي يسعى اليمن لاستثمارها.

 إعادة الشرعية إلى الواجهة الدولية

أول ما يمكن ملاحظته في تحركات العليمي هو تركيزه على تثبيت موقع الحكومة اليمنية كمرجعية شرعية وحيدة أمام المجتمع الدولي، فبعد سنوات من محاولات الحوثيين تقديم أنفسهم كسلطة أمر واقع، باتت الشرعية بحاجة إلى إثبات وجودها، ليس فقط على طاولة الأمم المتحدة، بل أيضاً في اللقاءات الجانبية التي تشكل أحياناً أهم من الخطابات الرسمية.
العليمي حرص على ربط النزاع في اليمن بالملفات الكبرى التي تهم العالم، كأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، والتدخل الإيراني عبر تهريب السلاح للحوثيين، هذه الرسائل الموجهة للولايات المتحدة وأوروبا كانت واضحة: اليمن ليس مجرد نزاع محلي، بل جبهة من جبهات الصراع الدولي مع إيران، وبذلك أعاد العليمي تقديم الحكومة كشريك موثوق يمكن الاعتماد عليه في حماية مصالح المجتمع الدولي.
كما حملت اللقاءات مع قادة خليجيين وأوروبيين دلالات إضافية، فهي تأكيد على أن الحكومة ما زالت جزءاً من المنظومة العربية والدولية، وأن التخلي عنها يعني ترك اليمن فريسة للفوضى وللمشروع الإيراني.

 ما وراء الدبلوماسية الناعمة والثقافة

لا يمكن النظر إلى افتتاح معرض “ألوان اليمن تضيء نيويورك” كخطوة جانبية أو ترفاً فنياً في أجندة مزدحمة فاختيار هذا النشاط الثقافي جاء ليؤكد أن اليمن بلد يمتلك هوية حضارية عميقة، وأن الحرب لم تستطع طمس معالمه الثقافية والإنسانية إنها رسالة موجهة للرأي العام الغربي تحديداً: اليمن ليس مجرد ساحات قتال، بل وطن للفن والكتاب والموسيقى والتاريخ.
هذه الدبلوماسية الناعمة تشكل بعداً مكملاً للسياسة الرسمية، فهي تنقل صورة إنسانية تتجاوز لغة الأرقام والإحصاءات التي يعتاد عليها المانحون والمنظمات. ومن خلال هذا المزج بين العمل الدبلوماسي والثقافي، حاول العليمي وفريقه إحياء التعاطف الدولي، وإعادة اليمن إلى قائمة الاهتمامات، ليس فقط عبر الملف الأمني أو الإنساني، بل أيضاً من بوابة الهوية.
إن استخدام الثقافة كأداة سياسية يؤكد إدراك الحكومة أن كسب المواقف لا يتم فقط في الغرف المغلقة، بل أيضاً في قلوب الشعوب ومخيلة الإعلام. ومن هنا، كان المعرض محاولة لتثبيت اليمن كجزء من العالم، لا كمنطقة معزولة تستهلكها الحرب.

 بين التماسك الشكلي والانقسامات العميقة

ربما كان أبرز ما لفت الأنظار في تحركات نيويورك هو الظهور الثلاثي للعليمي برفقة عيدروس الزبيدي وعبدالله العليمي، في ظاهر الأمر، بدا المشهد كرسالة وحدة تعكس انسجام مجلس القيادة الرئاسي. غير أن المتابعين يدركون أن هذا التماسك أقرب إلى الشكل منه إلى الجوهر، في ظل التباينات الواضحة بين المجلس الانتقالي الجنوبي وبقية المكونات.
ومع ذلك، كان لا بد من تقديم هذه الصورة للعالم الخارجي. فالمجتمع الدولي يبحث عن شريك موحد يستطيع التحدث باسم اليمن، وأي انقسامات علنية كانت ستضعف من مصداقية الحكومة وتزيد من قدرة الحوثيين على استثمار الانقسامات لصالحهم الظهور المشترك إذاً كان ضرورة سياسية، حتى وإن لم يكن انعكاساً لوحدة حقيقية على الأرض.
هذا التباين بين الصورة المعلنة والواقع الميداني يضع الحكومة أمام تحدٍ كبير: كيف يمكن تحويل اللحظة الدبلوماسية في نيويورك إلى قوة فعلية في الداخل؟ وكيف يمكن إقناع العالم بجدية المجلس الرئاسي إذا ظل عاجزاً عن تجاوز خلافاته؟

 أفق مفتوح على الأمل

رغم كل الصعوبات التي يواجهها اليمن، ورغم الانقسامات الداخلية والتحديات الخارجية، فإن الحراك الدبلوماسي الأخير يحمل إشارات إيجابية لا يمكن تجاهلها فمجرد قدرة القيادة اليمنية على حشد لقاءات بهذا المستوى، وربط القضية اليمنية بالقضايا الدولية الكبرى، هو نجاح في حد ذاته.
لكن النجاح الأكبر يكمن في المستقبل: إذا ما استطاعت الحكومة تحويل هذا الزخم الدبلوماسي إلى دعم ملموس، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، فإن الطريق سيكون مفتوحاً أمام إعادة التوازن في الداخل، وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
اليمن ليس قدراً للحرب فقط؛ بل وطن قادر على النهوض من تحت الركام متى ما توافرت الإرادة وتضافرت الجهود.

ولعل ما حمله العليمي من رسائل في نيويورك، وما جسده من حضور سياسي وثقافي، يكون بداية لمسار جديد يعيد لليمن مكانته، ويمنح شعبه أملاً طال انتظاره في غدٍ أكثر استقراراً وازدهاراً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى