اخبار وتقارير

عطش المواهب في صحراء الإهمال.. مبادرات تحاول كسر العتمة

عبدالرحمن الشرعبي –تقرير خاص

تعز ، المدينة التي حملت على عاتقها لقب عاصمة الثقافة اليمنية لعقود ، تبدو اليوم محاطة بواقعٍ مؤلم، مواهب شابة عديدة وطاقات إبداعية متدفقة لكنها تقف على الرف ، مجمدة بفعل الحرب وغياب البرامج المؤسسية ، وانشغال المجتمع بتأمين لقمة العيش.

وبينما تستغل مليشيا الحوثي مقدرات الدولة لتكريس التهميش وضرب الهوية الوطنية ، تحاول الحكومة الشرعية ، بما توفر لها من إمكانيات ، إعادة الاعتبار للمبدعين ، وإطلاق مبادرات تُعيد إحياء الأمل.

أحلام مؤجلة

قصص الموهوبين في تعز تختصر الواقع الذي تعيشه أجيال كاملة. الشاب ذي يزن عمار (18 عاماً)، اكتشف منذ أيام الإعدادية أنه يمتلك شغفاً بالتمثيل، يقول لـ”تيار نيوز”: “كنت أشارك في المسرح المدرسي وأشعر أنني أبدع وانا اقف على الخشبة ، لم اجد بعد ذلك أي فرصة للتطوير ، لا أماكن للتدريب ، لا مختصين يوجهونك ، حتى الأهل يرون التمثيل شيئاً غير مهم”.

يضيف: “توقفت مرغماً ، كأني تخليت عن شيء أحبه غصباً عني ، لكن الشغف ما زال بداخلي ، ولو توفر لي دعم حقيقي ، أتوقع أن أحقق شيئاً كبيراً ، وربما أصبح أحد النجوم ، لكن كل ما أحتاجه هو فرصة”.

هذا الواقع المؤلم ليس حكرًا على ذي يزن وحده. قصة مشابهة عاشها “أحمد عبدالله الصبري” (20 عاماً)، الذي أحب كرة القدم منذ طفولته: “كنت ألعب في الحارة والمدرسة ، وكانت تلك اللحظات تسعدني كثيراً ، حاولت الانضمام إلى نادٍ أو فريق ، لكن لم تكن هناك فرص واضحة”.

ويضيف: “صحيح أن المدرسة كانت تدعمنا في الدوري المدرسي ، لكن هذا غير كافٍ ، فلم يكن هناك تدريب حقيقي ، ولا ملاعب مؤهلة ، ولا بيئة تساعدك لتصل لمستوى الاحتراف”.

يتابع الصبري: “أكبر صعوبة واجهتها هي عدم توفر الدعم ، ولا بنية تحتية ، لا ملاعب مجهزة ، لا مدربين متخصصين ، حتى التغذية لم تكن متوفرة”. وفي النهاية ترك احمد الموهبة ، مع أنها كانت حلمه : “لأن الظروف كانت قاسية ومحبطة ، لكنني متأكد أن اذا وجد دعماً حقيقياً ، سأتمكن من العودة لمستواي وتطوير نفسي ، فالشغف لم يمت”.

هاتان الشهادتان ليستا سوى مثالين لألاف الشباب الموهوب في تعز واليمن عامة ، غياب الدعم والفرص حول الموهبة من مصدر أمل ومستقبل إلى عبء نفسي، يقود في أحيان كثيرة إلى الانسحاب واليأس.

مبادرات محدودة

رغم قتامة المشهد ، برزت مبادرات فردية حاولت فتح الطريق أمام المواهب. يقول عماد الدين القدسي ، مدير شركة الجند ميديا للتمثيل في حديثه لـ “تيار نيوز”: “هناك شباب يمتلكون الشغف ، لكن لم تُتح لهم الفرصة المناسبة”.

يضيف القدسي: “أطلقنا تجارب أداء للعديد من الشباب الموهوب واستقبلناهم ، لاحظنا أن من اجتاز المقابلات كان أداؤه أفضل بكثير ، وحصل البعض على أدوار في مسلسل (يوميات مواطن)، مع دعم وإرشاد المخرجين ، واكتسب هؤلاء الشباب إلى حد ما ، خبرة جديدة ستفيدهم في المستقبل”.

يتابع: “البعض كان يعمل بشكل فردي ، منحناهم فرصة للتطور والاستمرار ، ما ينقصنا اليوم هو الإرادة ، ويجب أن تكون لدى شركات الإنتاج إرادة حقيقية لتطوير مجتمعاتها ، والمساهمة في تنمية الجيل القادم”. موضحًا ان السوق اليمني للدراما ما زال بكرًا ، وإذا تبنت كل شركة إنتاج هذا الدور ، سنرى نتائج إيجابية على مستوى الدراما والمسرح، حد القدسي.

من جانبه ، يرى “وضاح اليمن عبدالقادر”، رئيس مؤسسة “إرم للتنمية الثقافية والإعلامية” أن الثقافة والفن جزء لا يتجزأ من التنمية المستدامة: “الفعل الثقافي والإبداعي ليس ترفاً ، بل أساس في حياتنا اليومية ، لدينا برامج لتبني المواهب الشابة ، سواء عبر التدريب والتأهيل وبناء القدرات ، أو عبر مساعدتهم في طباعة أعمالهم ودعمهم لإقامة فعاليات ومعارض، وإشراكهم في الندوات والمؤتمرات”.

ويشير وضاح إلى أن الحرب مثلت تحدياً كبيراً: “المجتمع منشغل بالعيش اليومي ، لكن وسائل التواصل والإنترنت فتحت فرصاً واسعة ، ويمكن للشباب أن يعززوا مهاراتهم ويتواصلوا مع العالم ، وهو ما يشكل تلاقحاً للأفكار وزيادة في فرص الدعم ، المشهد الثقافي في تعز واليمن ، رغم الحرب ، يشهد ولادة مؤسسات تقدم فرصاً للموهوبين ، ويجب على الشباب متابعة أنشطتها والاستفادة منها.

دعم حكومي

رغم كل الصعوبات ، بدأت الحكومة الشرعية عبر مؤسساتها بخطوات عملية لدعم المواهب. في السادس من يناير 2025، أعلن “عبدالله العليمي”، مدير مكتب الثقافة في تعز ، عن تدشين فرقة كورال شباب تعز الفنية ، التي ضمت مجموعة من الشباب والشابات الموهوبين.

وأكد العليمي أن المشروع يعكس التنوع الثقافي والتميز الفني في المحافظة ، ويُعد خطوة لتعزيز الهوية اليمنية وإبراز إبداعات الشباب في الغناء والموسيقى، حد قوله.

وشدد على أن مكتب الثقافة سيواصل دعمه لهذه المواهب ، داعياً إلى استقطاب المزيد من الأصوات المبدعة وتأهيلها ، مؤكداً في الوقت ذاته على أهمية إنشاء معهد فني متخصص في تعز ، لترسيخ مكانتها كعاصمة للفن والثقافة.

من جهته ، الأكاديمي “ياسر الصلوي” يرى أن هذه الجهود الرسمية تمثل بداية الطريق ، لكنه يحذر من الاكتفاء بالخطوات الجزئية: “المواهب تحتاج دعماً نفسياً واجتماعياً شاملاً ، غياب التحفيز الأسري والمجتمعي يؤدي إلى فقدان الحافز ، ويجعل الشباب يتخلون عن أحلامهم. مشيرًا إلى ان تجاهل هذه الطاقات يمثل خسارة مجتمعية كبرى ، ويقود إلى نزيف العقول بالهجرة.

ويؤكد الصلوي: “المطلوب هو استراتيجية وطنية واضحة ، تبدأ من الأسرة والمدرسة ، وتتكامل فيها أدوار المؤسسات الرسمية ، والقطاع الخاص ، ومنظمات المجتمع المدني ، وبهذه الطريقة فقط نستطيع تحويل المواهب من حالات فردية عابرة إلى قوة إنتاجية حقيقية لبناء الوطن”.

في الوقت الذي تواصل فيه مليشيا الحوثي تهميش الشباب وإغلاق الأفق أمامهم ، تسعى الحكومة الشرعية لإعادة الاعتبار للمواهب باعتبارها ثروة وطنية لا تقل أهمية عن الموارد المادية.

وبين الأحلام المؤجلة ، والمبادرات المحدودة ، والدعم الحكومي المتنامي ، يبقى الرهان على استراتيجية وطنية متكاملة ، تفتح الطريق أمام الإبداع ليكون رافعة للتنمية ، وصوتاً لمستقبل اليمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى