اخبار وتقارير

الحوثيون ونهب الممتلكات: اقتصاد حرب على حساب اليمنيين

تيار نيوز – خاص

منذ اجتياح العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، دخل اليمنيون مرحلة مظلمة عنوانها “مصادرة الحقوق”. تحوّلت جماعة الحوثي من حركة مسلحة تدّعي مواجهة الفساد إلى سلطة أمر واقع تدير اقتصادًا موازيًا قائمًا على النهب الممنهج للممتلكات الخاصة والعامة. منازل ومزارع، شركات ومصانع، جامعات ومدارس، بل وحتى الجمعيات الخيرية والمساجد، لم تسلم من يد الجماعة التي أعادت صياغة القوانين لتصبح أداة بيدها تشرعن سلب الناس ممتلكاتهم.

هذا التقرير يتتبع مسار عشر سنوات من عمليات المصادرة والنهب، عبر شهادات ضحايا، وأرقام صادمة، وخط زمني يوضح كيف تحولت تلك السياسة إلى ركيزة أساسية في اقتصاد الحرب الحوثي.

شهادات الضحايا: بيوت تُسرق وذاكرة تُمحى

يقول “م.ع”، وهو تاجر من صنعاء: “في صباح بارد من يناير 2017، استيقظت على خبر نشرته صحيفة موالية للحوثيين، يُعلن مصادرة شركتي بدعوى ارتباطي بتحالف خارجي لم أتلق أي استدعاء قضائي، ولم تُعرض عليّ أي أوراق خلال أيام قليلة، تم تعيين الحارس القضائي على ممتلكاتي، وصرت أنا المالك السابق لشركة بناها أبي بعرق جبينه منذ الثمانينيات. خرجت من مكتبي وأنا أشعر أنني خرجت من حياتي كلها.”

أما “س.ح”، موظف جامعي من محافظة إب، فيروي بحرقة: “لم يكن منزلنا مجرد جدران، كان ذاكرة الطفولة وصوت أمي في الفجر عندما جاءوا وصادروا البيت بحجة أننا من أسرة معارضة، لم يأخذوا الطوب فقط، بل سرقوا تاريخنا بتنا مشتتين بين أقارب ومعارف، فيما القادة الحوثيون يسكنون في بيوتنا.”

“ع.ك”، وهو طبيب من صنعاء، يقول: “عشت سنوات من التعليم في الخارج لأعود وأبني مركزاً طبياً حديثاً. في عام 2021، تمت مصادرته بحجة أنني لم أؤدِّ زكاة بمبالغ خيالية تحول المركز إلى ملكية تابعة للحارس القضائي، وأصبحتُ أنا الطبيب عاطلاً عن العمل.”

الأرقام: مليارات الدولارات المنهوبة

تشير تقارير حقوقية إلى أن قيمة الممتلكات والعقارات التي صادرتها الجماعة منذ 2014 تتجاوز 10 مليارات دولار.

في عام 2023 وحده، وثّقت منظمة سام للحقوق والحريات مصادرة أصول تقدر بـ 3 مليارات دولار.

خلال عام 2025 فقط، استولت الجماعة على مصنعي أدوية في صنعاء تقدر قيمتهما بـ 55 مليون دولار.

تقرير لمجموعة منظمات محلية أكد أن أكثر من 4,000 منزل تمّت مصادرته في صنعاء وإب وتعز وحدها.

أكثر من 350 شركة ومؤسسة تجارية جرى الاستيلاء عليها وتحويل إدارتها إلى شخصيات موالية للجماعة.

خط زمني لعمليات المصادرة الحوثية (2014 – 2025)

📌 2014 – سقوط صنعاء. قرارات الحجز الأولى استهدفت قيادات سياسية وعسكرية معارضة.

📌 2015 – 2016 – إنشاء المحاكم الجزائية الخاصة، وتوسيع عمليات المصادرة لتشمل منازل شخصيات بارزة.

📌 2017 – استهداف رجال أعمال وتجار بارزين. بيع ممتلكاتهم في المزاد عبر “الحارس القضائي”.

📌 2018 – الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في الحديدة وإب وتحويلها إلى استثمارات تديرها شركات وهمية.

📌 2019 – مصادرة ممتلكات عشرات النواب وتحويل منازلهم إلى مقرات ومراكز تابعة للجماعة.

📌 2020 – تقارير تكشف أن الأموال والعقارات المصادرة تجاوزت ملياري دولار.

📌 2021 – 2022 – استهداف مؤسسات تعليمية ومدارس خاصة وجامعات أهلية.

📌 2023 – منظمة سام: مصادرة أصول بقيمة 3 مليارات دولار.

📌 2024 – تصاعد المصادرات في قطاع الأدوية والعقارات، وتسجيل أولى حالات الإخلاء القسري الجماعي لعائلات معارضة.

📌 2025 – مصادرة مصنعي أدوية بقيمة 55 مليون دولار، مع تقديرات تؤكد أن إجمالي الممتلكات المنهوبة يتجاوز 10 مليارات دولار.

اقتصاد حرب: من المصادرة إلى الاستثمار

لم تكتفِ الجماعة بمصادرة الممتلكات، بل أعادت توظيفها ضمن شبكة اقتصادية تموّل عملياتها العسكرية والسياسية.

الحارس القضائي: مؤسسة أنشأها الحوثيون لتكون الذراع المالية الرسمية للمصادرات كل عقار أو شركة تتم مصادرته يُسجّل باسم الحارس، الذي يتولى إدارته أو بيعه.

التحويل للاستثمار: المنازل المصادرة تحوّلت إلى مقرات قيادية أو سكن لأعضاء الجماعة الشركات جرى إعادة تشغيلها بأسماء تجارية جديدة تابعة لموالين.

تدفق الأموال: جزء من العائدات يذهب لتمويل الجبهات القتالية، بينما يتم استثمار جزء آخر في تجارة العقارات والوقود والاتصالات.

الآثار الاجتماعية: نزوح وتشريد وصدمة نفسية

مصادرة المنازل لم تكن مجرد خسارة مادية، بل أنتجت موجات نزوح قسري داخل المدن آلاف العائلات وجدت نفسها بلا مأوى، فيما الأطفال فقدوا مدارسهم وأحيائهم.

الآثار لم تتوقف عند ذلك؛ بل انعكست على المجتمع بشكل شامل:

  • تفكك اجتماعي: العائلات التي صودرت ممتلكاتها انقسمت بين مهاجرين في الخارج ومشردين في الداخل.
  • بطالة واسعة: آلاف الموظفين خسروا وظائفهم مع إغلاق الشركات أو تحويلها لإدارة موالية للجماعة.
  • تأثير نفسي: شهادات عدة أكدت أن الأطفال باتوا يعيشون صدمات نفسية نتيجة اقتلاعهم من بيوتهم قسرًا.

العدالة الغائبة: غطاء قانوني للمصادرة

الجماعة لم تكن تعمل في الظل، بل صنعت لنفسها أغطية قانونية عبر:

  • المحاكم الجزائية: إصدار أحكام بمصادرة الممتلكات على أساس تهم “الخيانة” و”التعاون مع العدوان”.
  • تشريعات موازية: سن قوانين داخل البرلمان الخاضع لسيطرتها تتيح وضع اليد على أموال من تصفهم بـ”المرتزقة”.
  • تزييف الوثائق: في كثير من الحالات، تم تغيير ملكية العقارات في السجلات الرسمية، ما يجعل استردادها عملية معقدة في المستقبل.

بين الأمس واليوم: الفارق بين نهب فردي ونهب ممنهج

نهب الممتلكات ليس جديداً في تاريخ اليمن، لكن الفارق الجوهري اليوم أن الحوثيين حولوه إلى سياسة ممنهجة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية. لم يعد النهب فعلاً عشوائياً، بل جزءاً من منظومة إدارة موارد الدولة والمجتمع.

حرب على الإنسان قبل الأرض

خلال عقد كامل، لم تكن الحرب في اليمن مجرد قتال على الجبهات، بل كانت حرباً على الإنسان وممتلكاته وذاكرته. الحوثيون لم يكتفوا بالسيطرة العسكرية، بل سعوا لخلق واقع اقتصادي جديد قائم على مصادرة الممتلكات الخاصة.

ومع أن الأرقام صادمة والشهادات مؤلمة، إلا أن الأمل ما يزال قائماً في أن أي عملية سلام مستقبلية لن تكون ذات معنى ما لم تتضمن آليات واضحة لاستعادة الحقوق ورد الممتلكات، باعتبار ذلك جزءًا أساسياً من العدالة الانتقالية.

ففي النهاية، الحرب قد تُمحى من الذاكرة، لكن البيوت التي هُدمت، والشركات التي نُهبت، والأطفال الذين شُردوا، ستظل شاهدة على أن العدالة لا تتحقق إلا بعودة ما سُرق إلى أصحابه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى