رهائن “إيتيرنيتي سي” في قبضة الحوثيين: حينما تتحوّل الدعاية السياسية إلى ورقة تفاوض
تيار نيوز- ترجمة خاصة

في تحول لافت ومثير في مسار الحملة الحوثية المعلنة ضد الملاحة المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر، بثت جماعة الحوثي، يوم الإثنين، مقطعاً مصوراً يظهر ما وصفته بـ”رهائن” من طاقم سفينة الشحن إيتيرنيتي سي، التي تم استهدافها وغرقها في وقت سابق من هذا الشهر.
يحمل الفيديو الصادر عن الجماعة دلالات سياسية ومعنوية خطيرة، ويعكس مدى التصعيد الذي بلغه نهجها في توظيف الرهائن كأدوات دعائية في سياق الصراع الإقليمي، تحت لافتة “نصرة فلسطين”، بينما يتجاهل الأسس القانونية والإنسانية التي تحكم التعامل مع المدنيين والبحارة في مناطق النزاع.
من استهداف عسكري إلى إنتاج دعائي
الفيديو المنشور، الذي صيغ بعناية، يعرض مشاهد مصورة لأفراد الطاقم وهم يتلقون رعاية طبية، ويُجرون مقابلات يظهر فيها التوجيه الإعلامي بشكل واضح. وخلال هذه اللقاءات، تحدث الرهائن بلغة موحدة، تدين التجارة مع إسرائيل، وتدعو السفن إلى الامتناع عن التوجه نحو موانئها، في خطاب يُفهم ضمنيًا أنه صيغ تحت ظروف احتجاز وضغط.
رغم إشارة الحوثيين إلى أن الفيديو “رسالة سلام”، إلا أن محتواه يعكس عملية استغلال واضحة لحالة الضعف والاحتجاز لأغراض سياسية، بما يتنافى مع المعايير الدولية المتعلقة بمعاملة الأسرى والرهائن، وخاصة اتفاقيات جنيف.
الهجوم الأكثر دموية.. وحصار مستمر باسم القضية
هجوم الثامن من يوليو الذي استهدف السفينة “إيتيرنيتي سي”، وهي سفينة مملوكة لشركة يونانية وترفع علم ليبيريا، أسفر عن مقتل أربعة أفراد، واحتجاز عشرة آخرين، بينما لا يزال عدد من الطاقم في عداد المفقودين. الحادثة تُعد الأكثر دموية منذ بدء الحوثيين حملتهم على السفن التجارية، وتُظهر تصعيدًا خطيرًا في أدوات المواجهة البحرية.
منذ إعلان الحوثيين “الحصار البحري” ضد إسرائيل في نوفمبر 2023، استهدفت الجماعة عشرات السفن، دون التفريق في أغلب الأحيان بين السفن المرتبطة بإسرائيل مباشرة، أو تلك العابرة للممرات الدولية ضمن سلاسل التوريد العالمية.
متى تنقلب “القضية” إلى غطاء للإرهاب البحري؟
في التحليل الاستراتيجي، يمكن القول إن جماعة الحوثي تسعى إلى ترسيخ معادلة “ردع بحري” في وجه تحالفات إقليمية ودولية، غير أن وسائلها – بحسب القانون الدولي – تدخل ضمن نطاق “الإرهاب البحري” حين يُستهدف المدنيون، وتُستخدم الرهائن لأغراض سياسية، ويتم التلاعب بمشاعرهم وخطاباتهم تحت ظروف الاحتجاز.
الظهور المتكرر للرهائن في الفيديو وهم يوجهون “الرسائل الاعتذارية” إلى الشعب الفلسطيني، ويرددون شعارات تخدم خطاب الحوثيين، يكشف تحويلًا خطيرًا لمعاناة المدنيين إلى مادة للتأثير الإعلامي والتفاوض السياسي، وهو سلوك يُصنف قانونيًا باعتباره انتهاكًا صريحًا لاتفاقيات حقوق الإنسان.
المجتمع الدولي.. شجب خجول وصمت عن المعايير
رغم إدانات متفرقة من قبل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، فإن غياب رد صارم من المجتمع الدولي يطرح علامات استفهام كبرى. هل ستُترك حرية الملاحة الدولية رهينة لحسابات المليشيات؟ وهل يمكن التذرع بالقضية الفلسطينية لتبرير انتهاك أرواح البحارة والمدنيين؟ هذا التناقض يُضعف الرواية الأخلاقية لأي فصيل يدّعي المقاومة، وهو ما قد يحوّل التعاطف الإقليمي إلى قلق وتوجس دولي من تمدد جماعة خارجة عن السيطرة.
كلفة الدعاية على حساب البشر
ما بثه الحوثيون من فيديو للرهائن ليس فقط مادة دعائية، بل دليل إدانة حيّ على سقوط القيم الأخلاقية والإنسانية في مستنقع الحرب الرمزية. إذ حين يتحوّل البحارة إلى أدوات بيد مشروع سياسي غير خاضع للقانون، تتجاوز القضية حدود فلسطين لتبلغ مستوى تهديد الملاحة العالمية، واستخدام المدنيين كدروع إعلامية.



