اخبار وتقارير

خطوة تنظيمية على طريق التعافي الاقتصادي – اللجنة العليا للموازنات العامة لليمن 2026

تيار نيوز- تقرير تحليلي

في خطوة تجسد محاولة الدولة لإعادة الإمساك بخيوط الاقتصاد المنفلت، أصدر رئيس الوزراء اليمني ووزير المالية، الدكتور سالم بن بريك، القرار رقم 10 لسنة 2025، بتشكيل اللجنة العليا للموازنات العامة (لجنة الاقتصاد الكلي) للسنة المالية 2026، مكونة من 24 عضواً من كبار مسؤولي الدولة.

هذا القرار ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل يمثل محطة استراتيجية تعكس التوجه الحكومي نحو ما يمكن وصفه بـ”التخطيط المالي الحذر”، في ظل مشهد اقتصادي محفوف بالتعقيد، وانقسام إداري، وتمويلات محدودة، وتحديات لا تُحصى فرضتها الحرب والانقلاب الحوثي.


مهمة اللجنة: هندسة الاقتصاد في حقل ألغام

اللجنة، التي يترأسها رئيس الوزراء بنفسه، ضمت تشكيلة تكنوقراطية واسعة من وزراء التخطيط، والنفط، والخدمة المدنية، ومحافظ البنك المركزي، إلى جانب وكلاء وزارات سيادية مثل المالية والتخطيط، ومصلحتي الضرائب والجمارك.

المهام الموكلة للجنة ليست سهلة، بل تُشبه عملية موازنة على حبل مشدود بين الواقع الاقتصادي المتهالك، والطموحات الحكومية الكبيرة، حيث طُلب منها أن تقرّ الإطار العام للموازنات العامة، وتحديد السقوف التأشيرية لوحدات الدولة المركزية والمحلية، في ضوء مؤشرات الاقتصاد الكلي مثل الناتج المحلي الإجمالي، العرض النقدي، وميزان المدفوعات.


إشارات سياسية في متن قرار مالي

القرار يتجاوز الجانب التقني، ويتضمن بُعداً سياسياً واضحاً حين ربط اللجنة بإطار “استعادة الدولة ودحر الانقلاب الحوثي”، بما يجعل من الموازنة نفسها جزءاً من معركة استعادة الدولة، وليست مجرد جداول حسابية.

كما وردت إشارات مباشرة إلى التزام اللجنة بمصفوفة السياسات الحكومية، وتوجيهات مجلس القيادة الرئاسي، وبرامج الإصلاح والتعافي الاقتصادي (2025–2026) وهي إشارات تضع اللجنة تحت ضغط ليس مالياً فقط، بل وطنياً أيضاً، في إثبات قدرة الدولة على العمل المنظم رغم التحديات البنيوية.


مفاتيح الموازنة: ما الذي ستحاول اللجنة فعله؟

بموجب نص القرار، تتولى اللجنة وضع الأسس العامة لمشروعات الموازنات العامة، وتشمل:

  • وحدات السلطة المركزية والمحلية.
  • موازنات الوحدات الاقتصادية (العامة والمختلطة).
  • موازنات الوحدات المستقلة والملحقة.
  • موازنات الصناديق الخاصة.
  • خطة التوظيف الوظيفي للدولة لعام 2026.

كل هذه المهام يجب أن تُنجز في ضوء الموارد المالية المتاحة (محلياً وخارجياً)، ومتطلبات التشغيل، والاستثمار، وأولويات التنمية، و”التقلبات السعرية” وأثرها على الاقتصاد وهذا يعني أن اللجنة لا تُعِد جداول إنفاق فقط، بل تُعيد هندسة أولويات الدولة.


الدلالات الاقتصادية والرسائل الضمنية

من الناحية الاقتصادية، يعكس القرار توجهاً حكومياً إلى ضبط الإنفاق، وترشيده، وفقاً لرؤية متكاملة قائمة على الربط بين السياسات المالية والنقدية، وتوقعات الاقتصاد الكلي، مع إدماج كافة المؤسسات في عملية إعداد الموازنة، بدلاً من تركها تتصارع على الموارد بدون إطار مرجعي.

أما الرسالة الضمنية، فهي أن الحكومة تسعى لإثبات جديتها في فرض منطق الدولة على مؤسساتها المالية والإدارية، وتحاول كسب ثقة المانحين الدوليين عبر شفافية أكبر، وتخطيط أكثر احترافاً، رغم أن البنية الإدارية نفسها لا تزال تعاني من الانقسام وضعف الكفاءة و”الولاءات الموازية”.


الواقع لا يرحم.. فهل تنجح اللجنة؟

كل هذا يبدو جيداً على الورق، لكن الواقع يطرح أسئلة أكثر إزعاجاً:

  • هل يمكن للجنة العمل بفعالية في ظل انقسام البلاد بين سلطتين، وانهيار الثقة بين الأجهزة الحكومية والشارع؟
  • كيف ستتعامل اللجنة مع فجوة الموارد الهائلة، والتزامات الإنفاق العسكري والإنساني؟
  • هل يملك الأعضاء، رغم خبرتهم، الأدوات والبيانات والمؤسسات القادرة على تنفيذ الرؤية الطموحة؟

الإجابة قد لا تكون واضحة الآن، لكن تشكيل اللجنة –بحد ذاته– مؤشر على إرادة لإعادة الإمساك بالمشهد الاقتصادي، وإخضاعه للسياسات وليس الفوضى، وهذا بحد ذاته إنجاز في زمن العبث والانهيار.


خلاصة تحليلية

إن تشكيل اللجنة العليا للموازنات يمثل محاولة لإعادة بناء أدوات الدولة التخطيطية، في لحظة حرجة من تاريخ اليمن، النجاح مرهون بالقدرة على الدمج بين التخطيط والمرونة، بين التكنوقراط والسياسة، بين ما هو متاح وما هو مطلوب والأهم، مرهون بالإرادة السياسية في حماية عمل اللجنة من الابتزاز، والمحاصصة، والتخريب المعتاد.

الموازنة القادمة ليست مجرد وثيقة مالية، بل هي شهادة نوايا: هل ستُستخدم لبناء دولة؟ أم لتكرار دورة الفشل؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى