
ها نحن أمام فصل جديد من فصول التصعيد الحوثي المتكرر، الذي يلبس عباءة “نصرة القضية الفلسطينية”، لكنه في العمق يحمل أجندة مركبة تخلط بين الأبعاد الإقليمية والأدوات العسكرية والمكاسب الجيوسياسية لإيران، الشريك الأول والأكثر استفادة من سلوك الجماعة.
جوهر التهديد: بين الادعاء والمصلحة
في 27 يوليو 2025، خرج المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، ببيان متلفز أعلن فيه عن بدء “المرحلة الرابعة” من العمليات العسكرية ضد إسرائيل، مهددًا باستهداف السفن التابعة لأي شركة تتعامل مع الموانئ الإسرائيلية، بغض النظر عن جنسيتها أو وجهتها.
هذا الإعلان ليس مجرد تصريح عابر في حرب نفسية، بل هو تعبير صريح عن رغبة الجماعة في توسيع دائرة الاشتباك الإقليمي، واستثمار قضية غزة لتحقيق نقاط على رقعة شطرنج النفوذ الإيراني في المنطقة.
لكن دعونا نقرأ ما بين السطور.
التهديد ضد الشركات: مغامرة محفوفة بالمخاطر
تهديد الشركات الدولية التي تتعامل مع إسرائيل يعني عمليًا إعلان الحرب على جزء كبير من الاقتصاد العالمي. فهل تمتلك جماعة الحوثي حقًا القدرة –لوجستيًا وتقنيًا وسياسيًا– على تنفيذ تهديد بهذا الحجم؟
ربما، من حيث القدرة العملياتية، نعم؛ فالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة التي تُطلق من سواحل اليمن وتصل إلى البحر الأحمر وخليج عدن، باتت واقعًا معروفًا. لكن التحدي الأكبر يكمن في عواقب التصعيد:
- اقتصاديًا: أي استهداف للسفن التجارية الكبرى قد يجر على اليمن عقوبات أوسع، وقد يؤثر على الموانئ اليمنية التي ما زالت شرايينها تعمل بصعوبة.
- سياسيًا: مثل هذا التصعيد يضع الحوثيين في خانة الجماعات المهددة للتجارة الدولية، ويعيدهم إلى دائرة “القرصنة البحرية” التي ترفضها حتى الدول التي تتعاطف معهم ضمنيًا.
- عسكريًا: الولايات المتحدة وبريطانيا سبق أن شنتا عشرات الغارات ضد مواقع حوثية في صنعاء والحديدة بذريعة حماية الملاحة الدولية، ولن تتردد في تكرار ذلك.
الإطار الإيراني: اليد الخفية خلف الستار
لا يمكن عزل هذا البيان عن السياق الأكبر لما يحدث في الإقليم. فإيران، التي تتعرض لضغوط أمريكية وإسرائيلية مستمرة، تستخدم الحوثيين كورقة ردع غير مباشر، دون أن تتحمل تبعات المواجهة المباشرة.
الحوثيون اليوم لا يتصرفون كقوة يمنية مستقلة، بل كذراع طيّعة ضمن محور المقاومة بقيادة طهران، وأي خطوة يتخذونها تنسجم مع إيقاع العزف السياسي الإيراني في المنطقة.
الواقع المحلي: خطاب خارجي يغطي فشل داخلي
من المهم ألا ننخدع برنين الشعارات. فبينما يهدد الحوثيون السفن الدولية ويتحدثون عن فلسطين، يعاني اليمنيون في مناطق سيطرتهم من قمع، وفقر، وانهيار خدماتي، وغياب كلي للحقوق والحريات.
الخطاب الخارجي بهذا الزخم ليس إلا محاولة لتشتيت الانتباه عن الانهيار الداخلي، وتحشيد المشاعر القومية والدينية لخدمة مشروع سلطوي ضيق.
الدعوة للضغط الدولي: انقلاب في الخطاب
المفارقة المثيرة للسخرية أن الحوثيين، وهم من يرفضون الضغوط الدولية في الملف اليمني، يطالبون الآن “كافة الدول” بالضغط على إسرائيل لوقف العدوان ورفع الحصار.
أي ازدواجية هذه؟ وكيف لمن يسجن الصحفيين، ويمنع النساء من السفر، ويعتقل الناشطين، ويقصف المدن اليمنية، أن يطالب بحرية لشعب آخر؟
هنا يظهر جوهر البراغماتية الحوثية التي توظف القيم الإنسانية لتبرير السياسات العدائية.
الخلاصة: نحو فهم أكثر نضجًا للتهديد الحوثي
التهديد الحوثي باستهداف السفن الدولية ليس مجرد تصريح عسكري، بل خطوة محسوبة ضمن استراتيجية إيرانية لاستخدام الجماعة كورقة ضغط على الغرب.
لكن هذه الورقة، إن لم تُحتوَ، قد تجر اليمن إلى مزيد من العزلة والعقوبات والتصعيد، وهو ما سيدفع ثمنه –كالعادة– الشعب اليمني وحده.
الحوثيون لا ينقذون غزة، بل يستخدمونها. لا يحاربون إسرائيل بقدر ما يعادون اليمن والإنسان اليمني.
ويا للأسى، حين تتحول المقاومة إلى أداة دعائية، وتُختزل العدالة إلى صاروخ طائش بلا بوصلة أخلاقية.



