
في تطور يكشف عن الوجه الخفي للحرب الرقمية التي تخوضها جماعة الحوثي ضد اليمنيين، برزت مؤخرًا فضيحة مدوّية تتعلق باستخدام أنظمة شحن رصيد الهاتف المحمول كأداة تجسس خفية على المواطنين فحينما يعتقد المستخدم أنه يجري عملية روتينية لتعبئة رصيده، تكون المليشيا قد نصبت له فخًا رقميًا محكمًا، يتسلل من خلاله خبراؤها إلى تفاصيله الشخصية، وموقعه الجغرافي، وسجلات اتصالاته، وحتى عاداته الرقمية اليومية.
التقارير التي ظهرت مؤخرًا، وتناقلها خبراء وتقنيون يمنيون، كشفت أن الحوثيين يتلاعبون بمنصات الشحن، ورسائل التحقق، والعروض المغرية التي تصل عبر الهاتف، لإقناع الضحية بالنقر على روابط أو تحميل تطبيقات مزيفة، تكون مزوّدة ببرمجيات خبيثة تتيح الوصول إلى محتوى الهاتف والتحكم به عن بُعد آلاف الحالات تم رصدها، استهدفت صحفيين وناشطين وزعماء قبليين وشخصيات اجتماعية، في ما يشبه حملة رقابة جماعية ممنهجة، تسير بهدوء تحت عباءة خدمة مدنية ظاهرها “رصيد مجاني” وباطنها “اختراق استخباراتي”.
ما يحدث لا يندرج ضمن الحوادث العرضية أو التجاوزات الفردية، بل هو نموذج مكتمل لما يمكن تسميته “تسليح الاتصالات”، حيث تحوّلت البنية التحتية للاتصالات التي يسيطر عليها الحوثيون منذ 2015 إلى منظومة أمنية مغلقة، تدرّ على الجماعة مليارات الريالات سنويًا، تُستخدم في تمويل الحرب، وتسديد تكاليف آلات التجسس، وتوسيع دائرة الرقابة، في حين يُحرم المواطن من حقه البسيط في الأمان الرقمي، والموظف من راتبه، والطفل من دوائه.
المثير للاستغراب أن هذه الفضيحة لم تقابل برد فعل واضح من الحكومة المعترف بها دولياً، وهو صمت يُفسَّر على أنه تهاون مخيف في ملف لا يحتمل التأخير فبينما تستمر الدعوات المحلية والدولية لنقل منظومة الاتصالات إلى العاصمة المؤقتة عدن، وإنشاء بدائل وطنية آمنة تكسر احتكار الحوثي، لا تزال الحكومة تراوح مكانها، مكتفية بالمشاهدة، رغم أن أمن اليمنيين الرقمي بات في مهب الاختراق.
منظمات حقوقية عدة وصفت ما يجري بأنه أخطر اختراق للخصوصية في تاريخ اليمن، مطالبة بتحقيقات دولية، وإشراف فني أممي على القطاع، معتبرة أن السكوت على ما يحدث هو بمثابة شراكة في الجريمة. فكلما شحن مواطن رصيده، اقتربت المليشيا خطوة من قلبه، ومن بيته، ومن حريته.
إن استعادة السيطرة على قطاع الاتصالات لم تعد مجرد مطلباً تقنياً أو خياراً إدارياً، بل هي معركة سيادية، لا تقل خطورة عن المعارك في الجبهات. فالمليشيا التي باتت تتجسس عليك وأنت تشحن رصيدك، لن تتردد في التسلل إلى كل تفاصيل حياتك، ما دامت تجد في صمت الدولة أرضًا خصبة لاستمرار مشروعها الأمني المرعب وهنا، يصبح من حق كل يمني أن يسأل: إلى متى نظل نشحن.. وهم يتجسّسون؟



