اخبار وتقارير

من جبال الوازعية إلى خطوط الملاحة العالمية: كيف تُدار معركة باب المندب في الظل؟

تيار نيوز –تقرير

في لحظة إقليمية مشحونة، عادت مديرية الوازعية إلى واجهة الأحداث بوصفها نقطة تماس بين الجغرافيا المحلية ومسرح الصراع الدولي.

فالتصعيد الأمني الذي شهدته المنطقة لا يمكن قراءته بمعزل عن التهديدات المرتبطة بمضيق باب المندب، ولا عن التصريحات الصادرة من دوائر صنع القرار في طهران، وآخرها ما أعلنه علي أكبر ولايتي بشأن إدراج المضيق ضمن معادلة النفوذ الإيرانية إلى جانب هرمز.

هذا الربط ليس خطاباً عابراً، بل يعكس تحولاً استراتيجياً يسعى إلى توسيع نطاق الضغط الجيوسياسي من الخليج إلى البحر الأحمر، عبر إعادة تعريف ساحات الاشتباك وتوزيعها جغرافياً بما يخدم توازنات القوة مع الغرب.

ضمن هذا السياق، تبدو الوازعية أكثر من مجرد مديرية ريفية؛ إنها عقدة تحكم جيوعسكرية، حيث تمنح تضاريسها المرتفعة قدرة إشراف ناري واستخباراتي على ممرات حيوية تربط تعز بالحجرية من جهة، ولحج والصبيحة وعدن من جهة أخرى. هذه الميزة تجعل أي اختراق أمني فيها بمثابة كسر في “قفل باب المندب”.

وتشير معلومات ميدانية إلى أن التحركات الأخيرة لعناصر مسلحة خارجة عن القانون، وما رافقها من ضبط أسلحة متوسطة وألغام، لم تكن حدثاً معزولاً، بل جزءاً من نمط عملياتي يتقاطع مع أهداف الحرس الثوري الإيراني في إدارة الصراعات غير المتكافئة. فبدلاً من المواجهة المباشرة، يجري الاستثمار في “الفوضى الذكية” التي تخلق بيئات رخوة قابلة للاختراق، وتتيح إعادة تموضع النفوذ دون تكلفة عسكرية عالية.

وعند قراءة المشهد بعمق زمني، يتضح أن الوازعية كانت دائماً هدفاً ثابتاً في حسابات التمدد نحو المضيق، منذ سيطرة الحوثيين عليها في 2016، مروراً بتحريرها في 2018، وصولاً إلى محاولات الاستنزاف الحالية.

الفارق اليوم أن أدوات الصراع تطورت: من هجوم تقليدي إلى حرب شبكات، ومن معركة جبهات إلى معركة سرديات.

إذ تسعى الأطراف المعادية إلى تفكيك النسيج الاجتماعي عبر إثارة النزاعات القبلية وتغذية خطاب التحريض، مستفيدة من منصات إعلامية وفضاءات رقمية تعمل كـ“مضخمات صدى” تعيد إنتاج التوتر وتوسّع أثره.

ولا يمكن فصل هذا المسار عن معادلة “تدويل المضيق”، حيث يشكل باب المندب أحد أهم شرايين التجارة العالمية، ما يجعله ورقة ضغط استراتيجية في أي مواجهة أوسع.

وهنا تحديداً، تتحول الوازعية إلى خط تماس غير معلن بين مشاريع كبرى: مشروع يسعى لتأمين الممرات البحرية وضمان انسيابها، وآخر يحاول توظيفها كورقة مساومة جيوسياسية. وبين هذين الخطين، تقف المجتمعات المحلية – بأدوات بسيطة وإرادة صلبة – كحاجز أول أمام الانزلاق.

ورغم كثافة الضغوط، تُظهر الوقائع أن محاولات الاختراق لا تزال تصطدم بصلابة ميدانية واجتماعية، حيث تلعب المقاومة الوطنية وأبناء المنطقة دور “صمام الأمان” في احتواء التوتر.

غير أن التحدي الحقيقي لم يعد عسكرياً فقط، بل مركباً: أمني، إعلامي، واقتصادي.

فالمعركة في الوازعية اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الوعي أيضاً. ومن ينجح في إدارة هذين البعدين معاً، لن يحمي مديرية فحسب، بل سيعيد رسم حدود التأثير في واحدة من أهم بوابات العالم البحرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى