حلفاء إيران يختارون “حرب الظل”.. لماذا يتجنبون المواجهة الشاملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؟
تيار نيوز-ترجمة خاصة

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية من التصعيد العسكري والسياسي في ظل التوتر المتزايد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. ومع اتساع رقعة المواجهة في أكثر من ساحة، يبرز سؤال مهم لدى المراقبين: لماذا لم تنخرط الجماعات الحليفة لإيران في حرب شاملة حتى الآن رغم امتلاكها قدرات عسكرية كبيرة وانتشارها في عدة دول؟
يشير العديد من المحللين إلى أن شبكة الحلفاء الإقليميين لإيران، التي تضم جماعات مسلحة في لبنان والعراق واليمن وسوريا، تعتمد في تحركاتها الحالية على استراتيجية “التصعيد المحسوب”. هذه الاستراتيجية تقوم على توجيه ضربات محدودة ومتفرقة دون الوصول إلى نقطة الانفجار التي قد تؤدي إلى حرب إقليمية واسعة النطاق.
شبكة نفوذ إيرانية واسعة
على مدى العقود الماضية، عملت إيران على بناء شبكة نفوذ إقليمية تعتمد بشكل كبير على دعم جماعات سياسية وعسكرية خارج حدودها. وتشمل هذه الشبكة فصائل مسلحة في العراق،
وقوات حليفة في سوريا، إضافة إلى جماعة الحوثي في اليمن، فضلاً عن حزب الله في لبنان الذي يعد أحد أقوى حلفاء طهران وأكثرهم تنظيماً وتسليحاً.
وقد لعبت هذه الشبكة دوراً محورياً في توسيع النفوذ الإيراني في المنطقة، كما أصبحت في الوقت ذاته أداة ردع مهمة تستخدمها طهران في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين.
لكن رغم هذه القدرات، فإن الجماعات المرتبطة بإيران لم تدخل حتى الآن في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل اكتفت بعمليات محدودة في عدة جبهات.
المواجهة على الحدود اللبنانية
يعد جنوب لبنان إحدى أبرز ساحات التوتر بين إسرائيل والجماعات الحليفة لإيران. فمنذ اندلاع موجة التصعيد الأخيرة في المنطقة، شهدت الحدود اللبنانية الإسرائيلية تبادلاً متكرراً لإطلاق الصواريخ والقذائف بين حزب الله والجيش الإسرائيلي.
ومع ذلك، فإن طبيعة هذه العمليات ظلت حتى الآن ضمن نطاق محسوب. فالهجمات التي يشنها حزب الله غالباً ما تكون محدودة النطاق وتستهدف مواقع عسكرية محددة، بينما ترد إسرائيل بضربات جوية أو مدفعية دون التوسع في عمليات عسكرية واسعة داخل لبنان.
ويرى خبراء عسكريون أن الطرفين يدركان خطورة الانزلاق إلى حرب شاملة
قد تكون مدمرة للبنان وإسرائيل على حد سواء، خصوصاً أن تجربة حرب عام 2006 ما تزال حاضرة في الذاكرة السياسية والعسكرية للمنطقة.
المليشيات العراقية والضغط على الوجود الأمريكي
في العراق، تمثل الفصائل المسلحة المتحالفة مع إيران جزءاً مهماً من شبكة النفوذ الإقليمي لطهران. وخلال الأشهر الماضية، نفذت هذه الجماعات عدة هجمات استهدفت قواعد عسكرية تضم قوات أمريكية باستخدام طائرات مسيرة وصواريخ قصيرة المدى.
ورغم تكرار هذه العمليات، فإن تأثيرها العسكري ظل محدوداً نسبياً. كما أن
الولايات المتحدة ردت على بعض هذه الهجمات بتنفيذ ضربات جوية استهدفت مواقع مرتبطة بهذه الفصائل داخل العراق وسوريا.
ويرى محللون أن هذه المواجهة تمثل شكلاً من أشكال “حرب الاستنزاف المحدودة”، حيث تسعى الجماعات المسلحة إلى الضغط على الوجود العسكري الأمريكي دون الوصول إلى مواجهة مباشرة واسعة قد تستدعي رداً عسكرياً أمريكياً كبيراً.
اليمن والبحر الأحمر
أما في اليمن، فإن جماعة الحوثي تمثل أحد أهم أطراف محور النفوذ الإيراني
في المنطقة. وقد برز دور الجماعة بشكل لافت خلال السنوات الماضية، خصوصاً في ظل قدرتها على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة لاستهداف أهداف بعيدة المدى.
ومع تصاعد التوتر في البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية، يراقب المجتمع الدولي عن كثب تحركات الحوثيين، نظراً لقدرتهم على التأثير في حركة الملاحة البحرية عبر مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.
حتى الآن، لم تدخل الجماعة في مواجهة عسكرية واسعة مرتبطة مباشرة بالصراع بين إيران والولايات المتحدة أو إسرائيل، لكن محللين يرون أن أي تصعيد في البحر الأحمر قد يغير هذا الوضع بسرعة.
حسابات إيران الاستراتيجية
تشير تحليلات عديدة إلى أن طهران قد تكون حريصة على إبقاء الصراع ضمن مستوى معين من التوتر دون السماح بانفجاره بشكل كامل. فاندلاع حرب إقليمية شاملة قد يؤدي إلى تدخل عسكري أمريكي واسع، وربما يهدد البنية العسكرية والاقتصادية لإيران نفسها.
كما أن إيران تعتمد بشكل كبير على استراتيجية “الحروب غير المباشرة”، حيث تستخدم حلفاءها في المنطقة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية دون الدخول في مواجهة مباشرة مع خصومها.
وتسمح هذه الاستراتيجية لطهران بالحفاظ على قدر من المرونة السياسية
والعسكرية، كما تمنحها القدرة على الضغط على خصومها في أكثر من جبهة في الوقت نفسه.
مخاوف من الانزلاق إلى حرب واسعة
رغم أن التصعيد الحالي ما يزال ضمن حدود المواجهات المحدودة، فإن العديد من الخبراء يحذرون من أن المنطقة قد تكون على حافة مواجهة أوسع.
فوجود عدة جبهات مفتوحة في الوقت نفسه – من جنوب لبنان إلى العراق وسوريا واليمن – يزيد من احتمالات وقوع حادث غير محسوب أو خطأ في التقدير قد يؤدي إلى اندلاع مواجهة أكبر.
كما أن كثافة العمليات العسكرية وتبادل الضربات في بعض المناطق قد يخلق ظروفاً غير مستقرة تجعل السيطرة على التصعيد أكثر صعوبة.
تداعيات إقليمية ودولية
اندلاع حرب إقليمية شاملة في الشرق الأوسط لن يكون حدثاً محلياً فحسب، بل ستكون له تداعيات عالمية واسعة. فالمنطقة تعد أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة في العالم، كما تمر عبرها ممرات بحرية حيوية للتجارة الدولية.
أي اضطراب كبير في هذه الممرات قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز بشكل حاد، كما قد يهدد استقرار الاقتصاد العالمي في وقت تعاني فيه
العديد من الدول أصلاً من ضغوط اقتصادية متزايدة.

محاولة تجنب المواجهة الكبرى
في ظل هذه المخاطر، تبدو العديد من الأطراف الإقليمية والدولية حريصة على تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وتعمل بعض الحكومات عبر القنوات الدبلوماسية على احتواء التصعيد ومنع توسعه.
لكن في المقابل، فإن استمرار العمليات العسكرية المحدودة في عدة مناطق يظل عاملاً يزيد من حدة التوتر ويجعل احتمالات التصعيد قائمة في أي لحظة.
مستقبل الصراع
يبقى مستقبل الصراع في الشرق الأوسط مرتبطاً بعدة عوامل، أبرزها طبيعة العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، ومستوى التصعيد بين إسرائيل والجماعات الحليفة لطهران.
وفي الوقت الذي تواصل فيه هذه الجماعات تحركاتها العسكرية المحدودة، يبدو أن المنطقة تعيش مرحلة من “التوازن الهش”، حيث تحاول الأطراف المختلفة تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية دون تجاوز الخط الأحمر الذي قد يؤدي إلى حرب إقليمية شاملة.
غير أن هذا التوازن قد لا يستمر طويلاً، خصوصاً في ظل التوترات المتراكمة والتغيرات السريعة في المشهد
الجيوسياسي للمنطقة. ولذلك يرى كثير من المحللين أن الشرق الأوسط سيظل خلال الفترة المقبلة ساحة مفتوحة لمواجهات غير مباشرة، وحروب ظل، قد تبقى محدودة… أو تتحول في أي لحظة إلى صراع أوسع يصعب احتواؤه.
رابط التقرير…
حلفاء إيران يختارون “حرب الظل”.. لماذا يتجنبون المواجهة الشاملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؟



