
في عتمة الزنازين المجهولة، حيث يختلط الأنين بالدعاء، تولد قصص لا تشبه الخيال، قصص يكتبها الدم المسفوح على بلاط المعتقلات ودموع المظلومين التي لا تجف.
المواطن رافض المعافا، واحد من أولئك الذين ابتلعتهم دوامة ما تُعرف بـ”المسيرة القرآنية” في فبراير 2019، بسبب موقفه المعارض للمشروع الحوثي ليخرج منها محمّلاً بأوجاع الكبد، وثقبٍ في السمع، ومرارةٍ تفيض من صدره كلما تذكر تفاصيل رحلته بين القضبان والمحاكم.
بداية المأساة
تبدأ فصول المأساة من يوم22فبراير2019 باختطاف غامض، وجلسات تحقيق في غرف شبه مظلمة، حيث كان القيد يدمي معصميه والغمامة تحجب عنه وجه جلاده. تلقى رافض شتى صنوف التعذيب الجسدي والنفسي، وتم إجباره على التوقيع بأصبعه على أوراق لم يُتح له قراءتها وصولاً إلى لحظة سريالية قاسية؛ إذ كان المحققون، وبعد فراغهم من وصلات التعذيب قبيل الفجر، يلهجون بالاستغفار الجماعي. كان المشهد مربكاً لرجلٍ نشأ على أن الدين رحمة وعدل.
يقول رافض في تفاصيل سجنه “وصلتُ إلى حالة من التشاؤم من الاستغفار من هول ما وقع بي، حتى وصلت في لحظة ضعف بشري أنني ارتددت عن ديني، ظناً مني أن هؤلاء يمثلون الإسلام أو يستشيرون الخالق في تعذيبي. لكن سرعان ما أعادتني بصيرة الحق وبدأتُ أسأل نفسي: هل أمر الله بهذا؟ أم على الله يفترون؟ فكانت الإجابة جليّة كالشمس: حاشا لله أن يرضى بهذا الظلم.”
سبعة أشهر عصيبة عاشها رافض مخفياً قسراً ومرض الكبد يقتات أعضائه وينهش جسده المنهك بعدها انتقلت فصول القصة من أقبية المخابرات إلى أروقة المحاكم، وهناك تجلت عجائب “النيابة العامة” التي من المفترض أن تنوب عن المجتمع، بدأت الاتهامات تأخذ شكلاً أكثر غرابة.
يصف المعافا ذلك بالقول: “زعمت النيابة باني قمت بتحشيد المدعو توفيق عمر عبدة الظفيري في 2018 علما بانه استشهد ذبحا على يد القاعدة في شبوة في 2014 وزعمت النيابة باني تواصلت بالعميد خالد الخطيب مدعية بانه قائد لواء في الساحل الغربي وكذا العقيد عبدالله الهبوب وجميعهم شهداء من 2014 وقد طالبتُ المحكمة الزام النيابة بالتخاطب مع وزارة الدفاع للتأكد من صحة الدفع المقدم من المتهم رافض المعافا وطلب الافادة من وزارة الدفاع عن حقيقة الاسماء الواردة في قرار الاتهام”.
اتهامات كيدية
وكعادة الجماعة تجيد تلفيق الاتهامات بشكل كبير وتتهم كل من يعارض مشروعها بالارتزاق والعمالة وهو ما تمادت به نيابة الجماعة وزعمت بان رافض المعافا تواصل بشخص مرتزق حد قولها مكتفية بكنيته “ابو عادل” حسب زعمها وهذا يخالف القانون كونها تهمة مجهوله ولا يجوز الرد على التهم المجهولة اطلاقا وهذا دليل على قصور الوعي القانوني لدى المحكمة والنياية الذي كان من الواجب على المحكمة ان تتصدى لمثل هذه التهم من تلقاء نفسها دون ان يتصدى لها المتهم.
في قاعة المحكمة، لم تكن المعركة قانونية فحسب، كانت صراعاً بين جسدٍ يتآكل وملفٍ يتضخم، أضافت النيابة اتهاماً جديداً: استلام مبالغ مالية عبر شركتي تحويل أموال، من شخص يدعى “علي الأنسي”. اسم بلا ملامح واضحة، بلا صفة رسمية، بلا تعريف كامل.
يقول رافض إن “الدفاع طالب بكشوفات التحويل لإثبات المزاعم، لكن شيئاً لم يُقدّم”، بقي الاتهام معلقاً في الهواء، كما لو أنه جملة ناقصة تبحث عن دليل.
دمٌ على منصة القضاء
رافض المعافاّ قصة مأساة تجسد حجم المعاناة والتعذيب والقسوة التي يتعرض لها المختطفين في سجون الحوثيين ويكشف قبح هذه الجماعة في الخصومة وتلفيق التهم لمعارضيها.
لم يتم التعامل معه كإنسان ولا كحيوان حتى حينما طلب منهم أن يعاملوه كذلك وأن يحصل على حقوق الحيوان كدليلٍ واضح على قسوة التعامل الحوثية معه.
في إحدى الجلسات، لم يحتمل جسده المنهك ضغط الانتظار انحنى أمام منصة القضاء وتقيأ دماً على مرأى القاضي والحاضرين وحينها ساد الصمت في المحكمة، ولم يتحرك سوى قلم كاتب الجلسة لتدوين ما جرى، ودون أن ينبس أحدٌ ببنت شفة طلبت المحكمة تقارير طبية رغم أنه سبق وصدر توجيه قضائي بمخاطبة جهاز الأمن لتوفير الرعاية الصحية الكاملة له، غير أن الرعاية الصحية في قاموس المليشيات محرمة على المعتقلين.
ومع انقضاء المهلة القانونية التي منحتها المحكمة للنيابة لتقديم أدلتها، لم يصل أي مستند جديد. في محضر جلسة رسمي، قرر القاضي محمد مفلح الإفراج الفوري عنه بالضمان الحضوري، مع منحه فرصة حضور الجلسات، ومنح النيابة مهلة إضافية أخيرة.
غادر المعتقل فيرمضان2022 بعد ثلاث سنوات وثلاثة أشهر من السجن يحمل أوراق الإفراج وآثار القيود في معصميه.
خمس سنوات جديدة
عاد بعد العيد لينتظر الحكم إلا أن الحوثيين كانوا له بالمرصاد وقد حفروا له حفرة جديدة ليصطدم بأنه قد تم نقل القاضي، وتعاقبت الجلسات أمام قاضٍ جديد دون أن يفتح ملف القضية مجدداً.
يضيف رافض في وصف مأساته لـ “تيار نيوز” “استمريتُ عام كامل ذهاباً وإياباً في المحكمة حتى صدر الحكم بالسجنٍ ثلاث سنوات، وهي المدة التي قضيتها خلف القضبان”.
ويؤكد أنه “لم يتمكن من الاستئناف، وغادر المحكمة معتقداً أن الصفحة طُويت غير أن إشعاراً لاحقاً قلب المشهد؛ النيابة استأنفت الحكم مطالبة بتشديد العقوبة ومثل أمام شعبة الاستئناف برئاسة القاضي عبدالله علي النجار وهناك كرر دفوعه، وطالب بإلزام النيابة بتقديم دليل مادي يثبت ما نسبته إليه”
وبنفس السيناريو الأول منح رئيس الشعبة الجديد مهلة جديدة للنيابة، إلا أنها عجزت مرة أخرى وتم حجز القضية للحكم، وصدر القرار بتأييد الحكم الابتدائي ثلاث سنوات مع إعادة السيارة المضبوطة.
يواصل رافض حديثه بالقول إن “رئيس الشعبة أشار في الجلسة إلى قناعته بجور الحكم، غير أنه أكد التزامه بتأييده طالما أن المتهم لم يستأنف والنيابة هي من طالبت بالتشديد لتنتهي الإجراءات، وبدا أن المسار القضائي وصل إلى نهايته”.
تلقى رافض نسخة حكم تشير إلى خمس سنوات بدلاً من ثلاث، رغم أن سجلات النظام الموحد وإشعارات النيابة لإدارة المعتقل تثبت أن العقوبة ثلاث سنوات. ورغم هذا التناقض، تمسكت جهة الاتهام بالمدة الأطول دون توضيح.
مسدس ماء يتحول إلى إدانة
في تفاصيل مثيرة للسخرية السوداء، تعود أصل القضية إلى “مزحة” في حمام طبيعي بذمار، حيث شاهد رافض شخصاً يشبه القيادي محمد علي الحوثي، فما كان منه إلا أن صوب “مسدس ماء” (لعبة) نحو رأسه مازحاً. هذا المشهد المصور تحول في قرار الاتهام إلى “محاولة اغتيال وإظهار نية مبيتة”.
صرخة أخيرة
اليوم، يقف المواطن رافض المعافا مثقلاً بديونه، ومريضاً بالكبد والتهابات الرئة، وفاقداً للسمع في أذنه اليمنى، يطرق أبواب “هيئة رفع المظالم” ومكتب الرئاسة دون جدوى. فرغم توجيهات العفو عن “المدة المعدلة”، تصر النيابة الجزائية على رفض التنفيذ.
سبع سنوات مضت بين جلسات وتأجيلات وأحكام متباينة. وبين أوراق رسمية متناقضة ومرض يتفاقم، يواصل رافض مطالبته بإعادة النظر في قضيته وتطبيق ما يعتبره حكماً مثبتاً في السجلات، آملاً بإنصاف طال انتظاره.
ويمضي السؤال مع خطواته إلى أين تتجه عدالة المسيرة القرآنية المزعومة؟



