اخبار وتقارير

السيادة في الجنوب.. ومآلات الدولة مع القيادي الاشتراكي مصطفى المشولي 

حوار خاص | تيار نيوز

في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها اليمن، وامتداد آثار الحرب على مفاهيم السيادة والدولة الوطنية، تتصاعد التساؤلات حول مستقبل الأمن والاستقرار، ومسار القضية الجنوبية، ودور القوى السياسية والمسلحة في إعادة بناء الدولة.

في هذا الحوار، يتناول مصطفى المشولي، ناشط سياسي وقيادي في منظمة الحزب الاشتراكي، هذه القضايا المعقدة من منظور سياسي وتحليلي، من تجربة مجلس القيادة الرئاسي، ومسارات الحوار الجنوبي–الجنوبي، وأهمية دمج التشكيلات العسكرية تحت قيادة وطنية واحدة، وصولاً إلى العلاقة بين الداخل اليمني والأمن القومي الإقليمي، ومآلات التحولات السياسية، والتحديات التي تواجه القرار الوطني في بيئة محلية وإقليمية متشابكة.

عندما نتحدث عن السيادة اليوم في الحالة اليمنية، كيف تشرحها؟ وما الذي تغيّر في مفهوم الدولة مقارنة بما قبل الحرب؟

المشولي: “السيادة في اليمن اليوم لم تعد مفهوماً قانونياً صرفاً كما عرفناه قبل الحرب، بل أصبحت مركبّة بين المحلي والإقليمي والدولي. قبل 2015 كانت الدولة تحتكر القرار والسلاح نسبياً، أما اليوم فنحن أمام سيادة منقوصة، موزعة بين سلطات أمر واقع، وتدخلات إقليمية، وشرعية سياسية لم تكتمل أدواتها. الحرب غيّرت مفهوم الدولة من كيان يحتكر القوة إلى ساحة مفتوحة لتوازنات معقدة، حيث باتت القدرة على الفعل مرهونة بمن يمتلك القوة والنفوذ على الأرض”.

كيف أثّر تعدد التشكيلات العسكرية والولاءات على فكرة الدولة وإمكان استعادة الأمن وبناء المؤسسات؟

المشولي: “تعدد الجيوش هو النقيض الطبيعي لفكرة الدولة. لا يمكن الحديث عن أمن مستدام أو مؤسسات مستقرة في ظل ولاءات عسكرية متناقضة، بعضها مناطقي وبعضها سياسي وبعضها مرتبط بأجندات خارجية. هذا الواقع أنتج ما يمكن تسميته بـ”الجغرافيا المسلحة”، حيث تتحول المناطق إلى نفوذ مغلق، وتُشل الدولة ككيان جامع، ويُختزل الأمن في توازن ردع هش لا في سلطة قانون”.

كيف تفهم مسألة دمج التشكيلات العسكرية؟ وأين تبدأ سياسياً وأين تنتهي أمنياً؟

المشولي: “دمج التشكيلات العسكرية ليس ملفاً فنياً، بل قرار سياسي سيادي بامتياز. يبدأ سياسياً عند الاتفاق على مشروع وطني جامع، وينتهي أمنياً عند إخضاع السلاح لعقيدة وطنية واحدة وسلسلة قيادة موحدة. التعقيد نابع من ارتباط السلاح بالسياسة، ومن خوف بعض الأطراف من فقدان النفوذ الذي راكمته بالقوة العسكرية”.

كيف تقيّم تجربة مجلس القيادة الرئاسي؟

المشولي: “مجلس القيادة جاء كحل توافقي لمرحلة استثنائية، ونجح نسبياً في منع الانهيار الكامل للشرعية، وفتح نوافذ لمعالجة ملفات شائكة كإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والحوار الجنوبي. لكنه تعثّر في حسم بعض القضايا بسبب تضارب المصالح داخل المجلس ذاته، واستمرار تأثير مراكز القوى المسلحة، وحدود القرار الوطني في بيئة إقليمية معقدة”.

كيف تُصنع القرارات الكبرى اليوم في اليمن؟

المشولي: “القرار اليمني اليوم نتاج معادلة معقدة: فاعلون محليون، وضغوط إقليمية، وحسابات دولية. التأثير الخارجي حاضر بقوة، لكن ذلك لا يعفي النخب اليمنية من ضعف التوافق الداخلي. حدود القرار الوطني تتسع بقدر ما تتوحد القوى السياسية، وتضيق كلما تعمّق الانقسام”.

كيف ترى وضع الجنوب اليوم؟ وما الفرق بين القضية الجنوبية كحق عادل وإدارتها كسلطة أمر واقع؟

المشولي: “القضية الجنوبية قضية وطنية عادلة بذورها تعود الى ما بعد قيام الوحدة في عام ٩٠ وجذرها يعود إلى ما بعد حرب 1994 وما ترتب عليها من إقصاء وتهميش. لكن الخطورة تكمن في اختزالها في سلطة أمر واقع تُدار بالقوة لا بالتوافق. الفرق جوهري بين قضية تحملها إرادة شعب، وسلطة تستخدمها لتكريس نفوذ سياسي أو عسكري”.

لماذا يُعد الحوار الجنوبي-الجنوبي ضرورة الآن؟ وكيف يجب أن يُدار؟

المشولي: “لأن الجنوب اليوم يقف أمام مفترق طرق. الحوار ضرورة لتجاوز الإقصاء وبناء تمثيل متوازن لكل القوى، بعيداً عن منطق الغلبة. يجب أن يُدار على أساس الندية السياسية، وأن تكون القضية الجنوبية محور النقاش، بعيداً عن أي تأثير للأجندات العسكرية أو الفردية، حتى لا يتحول الحوار إلى واجهة شكلية تعيد إنتاج الأزمة”.

كيف تقرأ رهانات مؤتمر الرياض؟

المشولي: “حوار الرياض هو اختبار لإرادة التوافق. نجاحه مرهون بشمول التمثيل وبتحريره من الضغوط، وبربطه بمسار وطني شامل. فشلُه يعني استمرار الانقسام، ونجاحه يشكّل الكتلة الحرجة اللازمة لأي تسوية وطنية كبرى؛ وأود التأكيد هنا على موقف الحزب الاشتراكي من الحوار الجنوبي الجنوبي الذي جاء مرحبا بالحوار ، إذ أكد على أن أمثل الطرق لمعالجات وحلول القضية الجنوبية ستتوفر في سياق العملية السياسية للحل الشامل، وأن تتميز في سياقاتها بإطارها الخاص في أي مفاوضات سلام قادمة، على قاعدة المرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية التي يتوفر فيها حضور إيجابي للقضية الجنوبية.

وعلى القوى التي كان لها موقف سلبي تجاه القضية الجنوبية منذ حرب عام 1994 إلى التخلي عن تضخم الذات المكتسبة من أوهام الشعور بالقوة والغلبة، والتخلي عن المراوغة وعدم الجدية، من أجل إنجاح أعمال المؤتمر، لكي يستلهم خيارات الشعب في الجنوب، ويحترم تضحياته الجسيمة لإسماع صوته من أجل حل عادل لقضيته، والبناء على ما قد أنجزته المرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية في هذا الصدد.

وندعو القوى السياسية في الجنوب إلى جعل هذا المؤتمر المزمع إقامته ساحة للتوافق والوصول إلى قواسم مشتركة، دون أي غطرسة أو مخاتلة من قبل أي طرف من الأطراف.

أن نجاح المؤتمر مرهون بتهيئة بيئة سياسية وأمنية مناسبة، وبالإعداد والتحضير الأمثل لتأمين نجاحه، والتزام كل المكونات المشاركة فيه بالعمل السياسي السلمي لبلورة مشروع متكامل لحل القضية الجنوبية في إطار تسوية شاملة للأزمة اليمنية المركبة بأبعادها المختلفة، وبما يتيح نقاشًا مسؤولًا حول مستقبل الجنوب.

ويستلزم ذلك تشكيل لجنة تحضيرية تتحمل مسؤولية الإعداد والتحضير للمؤتمر، وبمشاركة القوى السياسية والاجتماعية في الجنوب بصورة متوازنة، بعيدًا عن الإقصاء والتهميش.

كيف تصف التعددية السياسية في الجنوب اليوم؟

المشولي: “التعددية موجودة تاريخياً لكنها مُهمَّشة. تغييبها أو تهميشها يخلق فراغاً سياسياً خطيراً، ويجعل السلاح بديلاً عن السياسة، ما يضر بالاستقرار والمستقبل السياسي للجنوب ولليمن بشكل عام”.

كيف تقيّم تجربة المجلس الانتقالي الجنوبي؟

المشولي: “المجلس الانتقالي مثّل في بداياته حاملاً سياسياً لقضية جنوبية حاضرة، لكنه مع الوقت انحرف نحو مصادرة القرار السياسي، واعتمد على القوة العسكرية كوسيلة تنظيم للمشهد. هذا المسار أضر بالقضية الجنوبية أكثر مما خدمها، وقلّص من المكاسب السابقة”.

ما الذي يحدث عندما يتحول السلاح إلى أداة سياسية؟

المشولي: “يتحوّل المجتمع إلى رهينة، وتُختزل السياسة في منطق القوة، وتُغلق مساحات الحوار. النتيجة هي تآكل الثقة، وتفكك النسيج الاجتماعي، وتعميق العنف كوسيلة وحيدة لحل الخلافات”.

أين يقف اليمن من العدالة الانتقالية؟

المشولي: “لا يزال بعيداً عنها. تجاوز الحروب يتطلب الاعتراف بالأخطاء، خصوصاً حرب 1994 وتداعياتها، وجبر الضرر، والتخلي عن “عقيدة المنتصر”. بدون ذلك، لا عقد اجتماعي جديد ولا سلام مستدام”.

كيف تشرح العلاقة بين الداخل اليمني والأمن القومي السعودي؟

المشولي: ” لا يمكن حل القضية اليمنية بمعزل عن الامن القومي والمصالح الجيوسياسية لدول التحالف وبالذات السعودية ومصر ، وينبغي قراءة الحضور السعودي في الازمة اليمنية من منطلقين اثنين الأول تأمين الفضاء الجيوسياسي والحيوي وحفظ الأمن القومي للمملكة من خلال ضمان منفذ على المياه المفتوحة في المحيط الهندي والحفاظ على الوضع الامني في اليمن لضمان أمن الحدود الجنوبية للمملكة.

والثاني الأمن القومي العربي حيث تتنافس المشاريع الاقليمية في اليمن بما فيها الايرانيون عبر وكلائهم الحوثيين والاسرائيليون عبر حلفائهم في الامارات ووكلائها وكذلك في الضفة المقابلة من خليج عدن في ارض الصومال والوجود العسكري في بعض جزر البحر الاحمر الأمر الذي لا يحمي فقط مصالح اسرائيل بل يجعل من البحر الاحمر بحيرة اسرائيلية .

يجب على اليمنيين أن يدركوا تماما أن الامن اصبح منظومة اقليمية ومن هذا المنطلق يجب ان يدركوا أيضا انهم في قلب المنظومة الامنية للجزيرة العربية والممر الدولي لقناة السويس وعليهم أن يتعاطوا مع أي حل للقضية اليمنية من هذا المنطلق وهذا أيضا ما تدركه الاطراف الاقليمية لكن على التحالف أن يتعامل مع الاطراف اليمنية من باب الشراكة الجيوستراتيجية الحتمية لا من باب التبعية، كما عليه أن يعطي مساحة للعمل السياسي وأن يمكن القوى السياسية الوطنية كونها الحامل السياسي للقضية اليمنية والكيان الذي تقوم عليه الشرعية التوافقية.

إذا استمرت المعادلات الحالية، كيف ترى المستقبل؟

المشولي: “سنكون أمام حالة إدارة أزمة طويلة، لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي، ما لم يُعاد الاعتبار للسياسة كأداة حل واعطاء مساحة للقوى السياسية والعمل المدني ، وتوحيد القرار الوطني تحت مظلة الدولة”.

ما رسالتك لليمنيين وصنّاع القرار؟

المشولي: “لا دولة بلا شراكة، ولا سيادة بلا قرار وطني، ولا سلام دون عدالة. اليمن يستحق مشروع دولة كاملة، لا مشاريع نفوذ”.

تعليقك على دعوة بعض قيادات المجلس الانتقالي المنحل للاحتشاد؟

المشولي: “الحشد لا يصنع شرعية سياسية. الشرعية تُبنى بالتوافق، لا بالشارع المُسيّس، ومثل هذه الدعوات تعمق الانقسام، وتضر بالقضية الجنوبية أكثر مما تخدمها، خصوصاً في لحظة تتطلب تهدئة وحواراً مسؤولاً فالتصعيد السياسي لن يصنع حلاً للقضية الجنوبية بل سيعقد الوضع”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى