هشاشة المشهد النقدي في اليمن بين وهم الاستقرار وغياب الإصلاحات البنيوية
تيار نيوز –متابعات

منذ أكثر من عقد، يعيش الاقتصاد اليمني حالة من الانكماش العميق والتشوهات البنيوية، تفاقمت بفعل الحرب والانقسامات المؤسسية، حتى باتت السياسات النقدية أشبه بـ”إدارة للأزمة” أكثر من كونها حلولاً جذرية. وما تشهده سوق العملة اليوم من اضطراب حاد يكشف عن أزمة مركبة، حيث يتصادم الخطاب الرسمي الذي يروج للاستقرار مع واقع مالي ونقدي هش يقوم على التدخلات المصطنعة والإجراءات الوقتية.
قراءة في قرارات البنك المركزي
اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (31 أغسطس 2025) مثّل نموذجاً لهذا النهج، بعد أن أقر المجلس تثبيت السعر الرسمي للريال مقابل الريال السعودي (425 للشراء و428 للبيع). ورغم أن البنك برر الخطوة بأنها وسيلة لحماية الاستقرار ومنع المضاربة، إلا أن القراءة التحليلية تشير إلى أن هذا التثبيت لا يعكس قوة اقتصادية حقيقية، بل مجرد تدخل فوقي لم يُبنَ على نمو في الصادرات أو انتظام الإيرادات العامة.
السوق الموازي، الذي يشكل المؤشر الحقيقي لحركة العملة، لا يعترف بهذه الأرقام، بل تتحكم به المضاربة وشبكات النفوذ، ما يعمق الفجوة بين السعر المعلن والمتداول، ويجعل كبار المتلاعبين المستفيد الأكبر.
انعكاسات اجتماعية واقتصادية
هذا التشوه النقدي يترجم مباشرة إلى تآكل القوة الشرائية للمواطن، وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، مع توسع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى. المواطن البسيط يواجه التضخم، فيما تتضخم أرباح شبكات الصرافة والاحتكار، وهو ما يعكس انعدام العدالة الاقتصادية.
مقارنات إقليمية: التجربة المصرية نموذجاً
تظهر الأزمة النقدية في اليمن تشابهاً مع ما مرت به مصر خلال السنوات الأخيرة، حين واجه الجنيه المصري ضغوطاً حادة بفعل تراجع مصادر النقد الأجنبي (السياحة، تحويلات العاملين، قناة السويس)، ما دفع الحكومة إلى اتخاذ قرار تعويم العملة استجابة لشروط صندوق النقد الدولي. ورغم أن الخطوة أفضت إلى هبوط حاد في قيمة الجنيه وارتفاع التضخم، فإنها مكنت القاهرة من الحصول على دعم مالي دولي، وأرست مساراً لإصلاحات هيكلية جزئية.
الفرق الجوهري أن مصر امتلكت دولة مركزية قوية ومؤسسات مالية موحدة استطاعت إدارة الأزمة ضمن خطة إصلاح شاملة، بينما يفتقر اليمن إلى وحدة القرار الاقتصادي، ويعاني من انقسام مؤسسي وصراع مسلح يعيق أي إصلاح نقدي جاد. كما أن مصر حافظت على تدفق صادراتها ومواردها الاستراتيجية، في حين يعيش اليمن شللاً شبه كامل في صادراته النفطية والغازية التي تمثل العمود الفقري لأي استقرار نقدي.
هذه المقارنة تبرز حقيقة أساسية: حتى في وجود دعم خارجي وإصلاحات مؤلمة، يحتاج الاستقرار النقدي إلى مؤسسات موحدة، موارد متدفقة، ورؤية اقتصادية واضحة، وهي شروط لا تزال غائبة عن المشهد اليمني.
جذور الأزمة
الأزمة النقدية في اليمن ليست عرضاً عابراً بل نتاج ثلاثة عوامل بنيوية:
- انقطاع الصادرات النفطية والغازية – ما حرم البنك المركزي من المصدر الرئيس للعملة الصعبة.
- تضارب السلطات والانقسامات المؤسسية – ما قوض وحدة السياسة النقدية.
- هيمنة المضاربين وكبار الصرافين – ما جعل سوق العملة رهينة لفئة محدودة تتحكم بالعرض والطلب.
الفجوة التمويلية وأثرها على المشهد النقدي
تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى أن خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2025 تعاني فجوة تمويلية تفوق 2.04 مليار دولار، رغم الزيادات الأخيرة في مساهمات بعض المانحين. هذه الفجوة التمويلية ليست مجرد رقم مالي، بل تمثل انعكاساً مباشراً لضعف تدفق العملة الصعبة إلى الداخل اليمني، ولانكماش الثقة الدولية في قدرة الحكومة على إدارة الموارد بشفافية وفعالية.
غياب التمويل الكافي يترجم إلى:
- زيادة الضغط على السوق النقدية: إذ يضطر البنك المركزي إلى الاعتماد أكثر على أدوات قصيرة الأجل (التدخلات المباشرة، السحب من الاحتياطي)، ما يعزز هشاشة الريال.
- تآكل الخدمات الأساسية: نقص التمويل الخارجي يحدّ من قدرة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية على توفير شبكات أمان إنساني، وهو ما يفاقم الضغط على الاقتصاد المحلي ويرفع الطلب على العملات الأجنبية.
- اتساع اقتصاد المساعدات الموازي: إذ يؤدي غياب التمويل الرسمي إلى زيادة الاعتماد على قنوات غير منظمة، غالباً عبر السوق السوداء، ما يعزز نفوذ المضاربين.
إن استمرار فجوة التمويل بهذا الحجم يعني أن أي محاولات للبنك المركزي لتحقيق استقرار نقدي ستظل رهينة عوامل خارجية، وأن الأزمة الاقتصادية ستبقى أكثر تعقيداً في غياب إصلاحات جذرية تعيد تفعيل الموارد السيادية وتستعيد ثقة المجتمع الدولي.
حلول غائبة وأولويات عاجلة
الخطوات الجزئية للبنك المركزي تظل محدودة الأثر ما لم تُعالج جذور الأزمة. وأبرز الأولويات تتمثل في:
- إعادة تصدير النفط والغاز: عبر تأهيل الموانئ وخطوط النقل، وحماية المنشآت، والتعاقد بشفافية مع شركات عالمية، مع توريد العائدات مباشرة للبنك المركزي.
- تشغيل مصفاة عدن: لتقليص فاتورة الاستيراد بالعملة الصعبة وخفض أسعار الوقود.
- استعادة دور الشركة اليمنية للنفط: بمنحها حقاً حصرياً للاستيراد والتوزيع بما يقلل من نفوذ الوسطاء.
- كبح نفوذ كبار الصرافين: عبر غرفة مقاصة مركزية، تشريعات صارمة، وسحب التراخيص من المخالفين.
خطة استراتيجية للخروج من الأزمة
لتجاوز حالة “الإدارة بالأزمات”، يحتاج اليمن إلى خطة شاملة تتضمن أربعة محاور مترابطة:
- المورد السيادي: إعادة تشغيل صادرات النفط والغاز لتوفير تدفق منتظم للعملة الصعبة.
- الأمن الطاقوي: إصلاح وتشغيل مصفاة عدن لتخفيف الضغط على النقد الأجنبي.
- إدارة السوق النفطية: استعادة الشركة اليمنية للنفط دورها الوطني بعيداً عن نفوذ التجار.
- السياسة النقدية: ضبط قطاع الصرافة، توحيد الحسابات الحكومية، وتعزيز الشفافية.
إن ما يجري اليوم في السوق النقدية اليمنية ليس استقراراً حقيقياً، بل لعبة توازن هشة قائمة على تدخلات إدارية آنية، ستنهار أمام أي هزة سياسية أو مالية جديدة. الحل لا يكمن في تجميل المشهد بخطاب إعلامي، بل في إصلاحات جذرية تبدأ من استعادة الدولة لمواردها السيادية، وتحرير القرار الاقتصادي من قبضة المضاربين وقوى النفوذ.



