ثقافة وفن

كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون» بين سردية المؤامرة وسياق الجدل التاريخي.

محمد نبراس العميسي

بعد انتهائي من قراءة كتاب بروتوكولات حكماء صهيون، بدأ لي أنني أمام كتاب معقد وسردية أكثر تعقيداً، ليس فقط من حيث مضمونه، إنما أيضاً من حيث سياقه التاريخي والسياسي وما أثاره من جدل ممتد حتى اليوم. فالكتاب، الذي يُنسب إلى الكاتب الروسي سيرجي نيلوس ونُشر مطلع القرن العشرين، قُدّم بوصفه وثيقة سرية تكشف مخططات للسيطرة على العالم عبر أدوات السياسة والاقتصاد والإعلام.

يتكوّن هذا الكتاب من أربعة وعشرين «بروتوكولاً» يُفترض أنها محاضر اجتماعات سرية، تستعرض – بحسب ما يطرحه الكتاب – وسائل إحداث فوضى عامة تفضي إلى إضعاف الدول والمجتمعات، ومن ثم إخضاعها لنظام عالمي مركزي. ويعرض الكتاب تصوراً يقوم على تفكيك البُنى السياسية والدينية، وإشعال الصراعات الداخلية، بما يجعل الشعوب أكثر قابلية للهيمنة والتوجيه.

غير أن القراءة المتأنية لا تقف عند حدود هذا الطرح، إنما تمتد إلى تفكيك الرواية التي أحاطت بنشأة الكتاب نفسه. فالروايات التي تتحدث عن تسرب هذه «الوثائق» تختلف في تفاصيلها، إذ يُقال إنها وصلت إلى نيلوس عبر مصادر غير مباشرة، تتراوح بين روايات عن سرقة مخطوطات من محافل ماسونية في فرنسا، وأخرى تشير إلى دور أجهزة في روسيا القيصرية في نشرها ضمن سياق سياسي مضطرب كانت تعيشه البلاد آنذاك.

وفي هذا السياق، يبرز جانب مهم من النقاش الأكاديمي، حيث تشير دراسات عديدة إلى أن النص يحمل سمات بيئته الروسية أكثر مما يعكس خطاباً دينياً أو ثقافياً يهودياً خالصاً.

كما لُوحظ وجود تشابهات لافتة بين مضامينه وبين كتاب حوار في الجحيم بين مكيافيللي ومونتسكيو للكاتب موريس جولي، ما عزّز فرضية كونه نصاً معاد الصياغة لأغراض دعائية.

ورغم هذا الجدل، فقد حظي الكتاب بانتشار واسع، خاصة خلال الفترات التي شهدت أزمات سياسية كبرى، حيث استُخدم في بعض السياقات لتفسير التحولات العالمية ضمن إطار «نظرية المؤامرة. كما استند إليه عدد من التيارات السياسية والإعلامية في تبرير مواقفها أو تعزيز خطابها، وهو ما ساهم في ترسيخ حضوره في الوعي العام، سواء بوصفه «وثيقة إدانة» أو «نصاً مفبركاً».

وعند النظر إلى مضمونه، يتضح أن الكتاب يقدّم رؤية اختزالية للعالم، تقوم على ثنائية حادة: قوة خفية تدير الأحداث، وشعوب تُقاد دون وعي. هذا الطرح، رغم جاذبيته الظاهرية، يتجاهل تعقيدات الواقع السياسي والتاريخي، ويختزل الظواهر الكبرى في تفسير أحادي لا يترك مجالاً للتعدد أو التداخل.

في المقابل، يذهب عدد من الباحثين والمفكرين، ومنهم عبد الوهاب المسيري، إلى أن أهمية هذا الكتاب لا تكمن في كونه مصدراً موثوقاً، إنما في كونه نموذجاً لفهم كيفية تشكّل السرديات التآمرية، وكيف يمكن لنص واحد أن يؤثر في اتجاهات فكرية وسياسية على نطاق واسع.

خلاصة القول، إن كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون» يظل نصاً إشكالياً بامتياز؛ بين من يراه وثيقة تكشف خفايا العالم، ومن يعتبره صناعة دعائية ارتبطت بمرحلة تاريخية محددة. وبين هذين الموقفين، تبقى القراءة النقدية هي السبيل الأجدى للتعامل مع مثل هذه النصوص، بعيداً عن التسليم المطلق أو الرفض المطلق، وفي إطار يوازن بين النص وسياقه، وبين الادعاء والدليل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى