ثقافة وفن

حيوية الدور الثقافي في ثورات الماضي وغيابه في الثورات المعاصرة

عبدالملك الشرعبي

العراك التنويري وما ينعكس من وعي تقدمي في أذهان الجماهير الثورية وإكسابهم الثقافة الحقوقية التي بها يعبرون عن تطلعاتهم الثورية، مع الثبات في مواقفهم النضالية، والعفوية في تصرفاتهم الناتجة عن الرغبة الذاتية والنضوج العقلي في إدراك ماهية الثورة والإلمام الشامل بكل أبجديات الثورة وسنن التغيير المشروعة من خلال ملاحظة الواقع ملاحظة شاملة وتوظيف النظرة العميقة في كل الظواهر السياسة والاجتماعية واستنباط الأفكار والرؤى الواقعية في فهم المتغيرات وقراءة المعطيات التي على ضوئها تحل الإشكاليات وتبنى أسس المشروع الثوري المرسومة في معالم الطريق نحو تحقيق الغاية والأحلام الجياشة لثورة الشعبية.

والمتابع للمشهد الثقافي السياسي على المستوى المحلي ؟ والإقليمي والدولي خلال القرون الماضوية القريبة، يدرك دور المنتوجات الفنية المتنوعة في إحداث التغييرات الإيجابية في الوسط الاجتماعي، وإيقاظ النزعة الوطنية في ضمائرهم، وتكريس الهوية القومية في وجدانهم، باعتبارها أداة من أدوات التغيير والمساهمة بدور فعال في حركة التحرر الوطني المناهضة للإمبريالية والأنظمة الشمولية المتعلقة بالملكيات الإقطاعية والجملكيات الصورية نحو تحقيق التحول الثوري الهادف إلى تحقيق الإرادة العامة.

ومن تلك المنتوجات الإبداعية الفنية المدونة في الموروث الثقافي العالمي والمتنوعة ما بين الإنتاجات الفكرية السياسية والأعمال الأدبية في جميع فنونه الكتابية، والتي لعبت دورًا في مراحل تاريخية معينة، وخلفت أعمالًا رائدة في تاريخ الإنتاج الإبداعي الفني، مؤسسةً مدارس عتيقة ونماذج فريدة في الإبداع والتميز الإنتاجي الخالد.

ومن هذه الزاوية نشرع في حديثنا بتسليط الضوء الخاطف على أهم تلك الأعمال الرائدة، والتي منها العقد الاجتماعي لصاحبها الفيلسوف الفرنسي روسو، التي زامنت الثورة الفرنسية الكبرى على النظام الملكي عام ١٧٨٩م، وأطلق عليها إنجيل الثورة حينها. وعقب صدور البيان الشيوعي للفيلسوف الألماني كارل ماركس وصديقه إنجلز، وتحت شعار اتحدوا يا عمال العالم، كان لهذا الشعار الإنساني والثوري أثر في وعي الطبقة البروليتارية عالميًا، وذلك بمضمونه التحرري والمعبرة عن تطلعات الطبقة المسحوقة، والذي ساعد في تكريس فكرة الصراع الطبقي التي ظهرت كطبقة ثورية مسلحة بثقافة حقوقية مناهضة لطبقة البرجوازية الكومبرادورية، وكما يقول ماركس: إن وعي الكادحين هو الذي يصنع الثورة. وصولًا إلى تنبؤات ماركس التي منها أن الثورة ستحدث في الأماكن التي يزداد فيها الفقراء فقرًا والأغنياء غنى، والتي أٌسقطت على المجتمع الروسي في زمن حكم الأوليجاركية القيصرية التي سقطت بالثورة البلشفية الروسية الكبرى بقيادة الزعيم فلاديمير لينين، صاحب السؤال الشهير ما العمل؟ ومقولتهِ الشهيرة لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية، لتكون الفلسفة الماركسية اللينينية وريثة تقاليد الحركة الثورية لدى الطبقة العاملة. ومثلت طلائع الأعمال الأدبية عالميًا ركيزة أساسية في توعية الشعوب والتغيير في سلوكياتهم، لأنها كانت مرآة عاكسة لحالتهم المعيشية وملامسة لكل قضاياهم المختلفة، ومن أشهرها إنتاج الأدب الروسي، وذلك ما نجده في أعمال مكسيم غوركي، صاحب روايتي الأم، وطفولتي، وفي الأعمال القصصية للكاتب أنطون تشيخوف، وفي روايات دوستويفسكي، وغيرها من الأعمال لرموز الحرف والكلمة عالميًا، ومن أبرزها رواية البؤساء للكاتب الفرنسي فيكتور هوجو، ورواية الأخ الأكبر، ومجموعة مزرعة الحيوان التي تعد من أشهر القصص السياسية الرمزية للكاتب الإنجليزي جورج أورويل، وإضافة إلى تلك الإصدارات الخالدة تعد رواية الحرب والسلام للكاتب تولستوي، وروايتي العجوز والبحر، ووداعًا أيها السلاح للكاتب أرنست هيمنجواي، ورواية زوربا لصاحبها نيكوس كازنتزاكي، ورواية الحب في زمن الكوليرا لماركيز، ورواية الجاسوسة للكاتب البرازيلي بابلو كويلو، وغيرها من الأعمال الروائية الهامة في تاريخ الحركة الثقافية السياسية.

كما أن الإنتاج الفكري لعب دورًا نهضوي في ترقية ونضوج العقل العربي، وفتح آفاق رحبة في وعي كل مستنير، وذلك بتسلحه بأفكار تقدمية وثقافة وطنية طازجة تؤمن بقداسة السيادة الوطنية والإيمان بالمواطنة المتساوية وحرية التعبير والتعدد الأيديولوجي داخل إطار المجتمع الواحد. ويعد الكاتب والمفكر المصري الكبير سلامة موسى، صاحب حركة النهضة والمشروع الثقافي الموسوي، أحد رجال التنوير الهادف بحركته الثقافية إلى خدمة الإنسان، وذلك بتوجيه الكُتاب في توظيف منتوجاتهم الفنية في خدمة المجتمع الإنساني، كما ورد في كتابه الشهير “الأدب للشعب” الذي سماه كما ينص الأدب العضوي الذي يؤدي دورًا في الجسم الاجتماعي.

وخلال فترة المد القومي، والزخم الثوري في حركة التحرر العربي، كانت الساحة الثقافية حافلة بالأصوات الشعرية والغزارة الإنتاجية في الفكر والأدب وصدور الأعداد الصحفية بالمواد المتنوعة، وتتصدر تلك الأصوات الشعرية القصائد السياسية للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي صاحب ديوان “الحب والثورة”، والتي من أشهرها قصيدة “فلسفة الحيوان” الناطق الرمزية، وقصيدة “إذا الشعب يومًا أراد الحياة”، والتي يرددها الملايين من الجماهير الثورية العربية، وفي روايات نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، ونوال السعداوي، وخيري شلبي، وغسان كنفاني صاحب رواية رجال في الشمس، وبرقوق نيسان، ومجموعة القميص المسروق، تعد كل هذه الأعمال جزءًا من الحركة الثورية في حركة التحرر العربي من قبضة الاستعمار.

وزخرت الساحة الفنية منذ خمسينيات القرن الماضي بكوكبة من النوابغ الشعرية، والأصوات الغنائية الشجية، كما نجدها في نصوص الشاعر الدمشقي نزار قباني الذي فاض شعرًا في عشق الأرض والإنسان العربي، كما نجدها في نصوصه العاطفية، وقصائده السياسة التي هي بمثابة قطعة بندقية لمواجهة الاستعمار والأنظمة المستبدة، ورضعنا من نصوص السياب أبجديات العشق لمواطننا الأصلية كما نجده يجنح في فضاء جيكور، وأيقظت نصوص الشاعر الأسطوري محمود درويش جرح الضمير العربي باعتبار قضية فلسطين هي قضيتنا القومية الأولى، وغيره من عمالقة الشعر والفكر الفلسفي الثوري من جيل القرن الماضي سواء في أعمال البياتي، وأعمال صلاح عبدالصبور، وأمل دنقل، ونازك الملاكة، وغيرهم من الشعراء الحداثيين، أو في أعمال المفكرين الذين أثروا المكتبة العربية في الفلسفة السياسية العميقة، كما نجدها في أعمال المفكر اللبناني مهدي عامل الذي استنبط أفكاره الفلسفية من الواقع المجتمعي في نقد الفكر الطائفي الذي أصبح شكل التركيبة المجتمعية في لبنان.

وكان للثورات العربية حركة ثقافية إبداعية في تحريك عجلتها الزمنية يحتضن تاريخ الحركة الوطنية في اليمن مع ميلاد ثورتي سبتمبر وأكتوبر المجيدتين، إنتاجًا هائلًا من المواد الفنية التي جسدتها وخلدتها في الذاكرة الوطنية، لما لها من أهمية في التعبير عن وجدان وقضايا الإنسان اليمني، ولعل من ثمارها تلك الغزارة الغنائية التي تنوعت في خمس مدارس رائدة تتميز بألوان ذات طابع فني خاص، والتي صاغ حروفها عمالقة الشعر الغنائي في اليمن، كما نجدها في أعمال الشاعر اليمني عبدالله عبدالوهاب نعمان، وبالصوت البلبل والمطرب اليمني الكبير أيوب طارش العبسي، ومنها السلام الوطني للجمهورية اليمنية، وغيره من الشعراء الجيدين كالشاعر عباس الديلمي، والشاعر عباس المطاع صاحب ديوان “صوت الوطن”، والشاعر أحمد الجابري، والشاعر عثمان أبو ماهر، والشاعر مطهر الإرياني، وسلطان الصريمي، وسعيد الشيباني، كل هؤلاء الشعراء كان لهم بصمات إبداعية في قصيدة الأغنية الوطنية، بعكس القصيدة السياسية البيتية التي ينفرد بتميزها الشاعر والأديب اليمني عبدالله البردوني، المفلسف بنصوصه للواقع اليمني، مع النظر إلى الحياة بمعطياتها الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل بكل تنبؤاته. كما أن فن القصة الأدبية كان بارزًا برواده في الساحة الثقافية الثورية، وذلك في إصدارات المجموعات القصصية للقاص محمد أحمد عبدالولي، والقاص زيد مطيع دماج صاحب رواية الرهينة الشهيرة.

والمتأمل الفلسفي في التقييم الموضوعي لوضع وجه المقارنة بين ثورات الماضي والثورات المعاصرة منذ انطلاق ثورات الربيع العربي، يجد الاختلاف الأيديولوجي، مع تميز ثورات الماضي في عدة أشكال مختلفة، وذلك من حيث النتائج والمشروع الثوري ومصداقية الثوار نحو التغيير واعتناق الهويات الوطنية والمحافظة عليها، لأن ذلك الزمن كانت المبادئ تسطو على الأغراض البراجماتية النفعية التي أصبحت ثقافة مجتمعية في الزمن الآني. فرغم التطور التكنولوجي والثورة الرقمية المعاصرة وسرعة استخدام الوسائل الحديثة، لم يكن للدور الثقافي روح فعلية في توعية الجماهير التي أصبحت في سبات بعيد عن القراءة والاطلاع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى