
انطلاق مؤتمر الأمن البحري الخاص باليمن في الرياض بمشاركة أكثر من 40 دولة، لا يمكن اعتباره اجتماعاً عابراً، بل هو محطة مفصلية في التعامل الدولي مع ملف البحر الأحمر وخليج عدن.
فإعلان الأمانة العامة المشتركة لأمن الملاحة البحرية، إلى جانب استراتيجية تمتد لعشر سنوات لإعادة تأهيل خفر السواحل اليمنية، يعكس التزاماً طويل الأمد يضع اليمن في قلب منظومة أمنية دولية واسعة.
المكاسب بالنسبة للحكومة الشرعية تبدو واضحة، إذ يمنحها المؤتمر شرعية أكبر على الساحة الدولية، ويعيد فتح ملف إعادة بناء مؤسسات الدولة، خصوصاً خفر السواحل الذي يمثل خط الدفاع الأول عن السيادة البحرية.
كما أن حماية الملاحة ستنعكس اقتصادياً عبر الحد من الخسائر الناتجة عن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بسبب تهديدات الحوثيين.
أما الرسالة الموجهة للجماعة الحوثية فهي بالغة الدلالة فالمؤتمر يوضح أن تهديد الملاحة لن يمر دون رد، وأن الجماعة تواجه تحالفاً دولياً عابراً للمنطقة. كما أن وجود آلية دولية دائمة سيضيّق الخناق على شبكات تهريب الأسلحة الإيرانية التي تمثل شريان حياتها العسكري.
إلى جانب ذلك، فإن حضور هذا العدد من الدول يعزز عزلتها السياسية، ويضعها في خانة التهديد العالمي للأمن والاستقرار.
إقليمياً ودولياً، تمثل المبادرة فرصة للسعودية وبريطانيا لإظهار دورهما القيادي في حماية طرق التجارة الدولية، فيما ترى دول الاتحاد الأوروبي ودول أخرى أن الشراكة تمثل ضمانة لمصالحها الاقتصادية وسط تصاعد التوترات الإقليمية.
ولا يقتصر الأمر على الجانب السياسي، بل يفتح الباب أمام تعاون استخباراتي وتقني متطور في رصد التهديدات البحرية.
ومع ذلك، تظل التحديات قائمة فالمبادرة تحتاج إلى تمويل مستدام حتى لا تتحول إلى مجرد إعلان، كما أن التوازن بين السيادة اليمنية والدور الدولي سيبقى ملفاً حساساً في المقابل، قد يسعى الحوثيون إلى تصعيد ميداني أو سياسي لإفشال الجهود وتصويرها كوصاية خارجية.
خلاصة القول، أن مؤتمر الرياض يشكل بداية لشراكة استراتيجية قد تغيّر قواعد اللعبة في البحر الأحمر وباب المندب، لكنه اختبار أيضاً لمدى قدرة الحكومة الشرعية على استثمار الزخم الدولي، ولإرادة المجتمع الدولي في مواجهة الحوثيين وداعميهم بشكل عملي وليس فقط عبر البيانات.



