
بينما ينشغل الاتحاد الأوروبي بمناقشة إصلاحاته الداخلية وضبط موازناته، تتحرك قوى أخرى بسرعة نحو مناطق الإهمال الجيوسياسي في القارة. في تقرير حديث لمؤسسة السياسة الأوروبية والخارجية (ELIAMEP)، حذّر باحثون من أن تباطؤ أوروبا في ملف التوسّع يفتح الباب أمام الصين لتوسيع نفوذها في غرب البلقان.
أوروبا تتأخر.. والصين تتقدم
في يوليو 2025، أجرت القوات الخاصة الصينية والصربية أول مناورات عسكرية مشتركة حملت اسم “حماة السلام 2025″، في إشارة واضحة إلى أن بكين لا تكتفي بالتصريحات بل تسعى لترسيخ وجودها الأمني في المنطقة. صربيا، المرشحة رسميًا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، باتت تعتمد بالفعل على الطائرات المسيّرة الصينية وأنظمة الصواريخ المستوردة من بكين، وهو تحول لم يكن ليحدث لولا سنوات من التردد الأوروبي.
إسهامات لا تجد صدى
دول غرب البلقان أظهرت التزامًا ملموسًا بالقضايا الأمنية الأوروبية، خصوصًا بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.
مقدونيا الشمالية تبرعت بدبابات ومروحيات وذخائر ضخمة لكييف.
ألبانيا والجبل الأسود قدمتا مساعدات عسكرية وإنسانية كبيرة.
حتى صربيا، رغم إعلان الحياد، سمحت سرًا بمرور ذخائر بمئات الملايين من اليوروهات إلى أوكرانيا.
كما تشارك هذه الدول في بعثات الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة حول العالم، من مالي والصومال إلى الكونغو ولبنان، بمساهمات محدودة العدد لكنها عالية الكفاءة.
قوة صناعية مهمَلة
إلى جانب المساهمات العسكرية، تمتلك المنطقة إمكانات صناعية دفاعية هائلة ورثتها من الحقبة اليوغوسلافية. مصانع البوسنة قادرة على إنتاج نصف مليون قذيفة مدفعية سنويًا، فيما تصدّر صربيا ذخائر ومركبات مدرعة وطائرات مسيّرة إلى أكثر من خمسين دولة. هذه القدرات، القريبة جغرافيًا والرخيصة نسبيًا، تمثل فرصة لم تُستغل بعد من جانب أوروبا.
فشل التوسّع الأوروبي
لكن الاتحاد الأوروبي لم يتمكن حتى الآن من تحويل خطاب التوسّع إلى خطوات عملية. العُقد البيروقراطية، الحذر السياسي، وإرهاق التوسّع جعلت دول البلقان عالقة في ممر الانتظار، رغم أنها تعمل بالفعل كأعضاء في المنظومة الأمنية الغربية.
الرسالة الاستراتيجية
التقرير يؤكد أن مسألة التوسّع لم تعد خيارًا سياسيًا أو ملفًا إداريًا، بل قضية استراتيجية ترتبط مباشرة بأمن أوروبا وقدرتها الصناعية والدفاعية. فإما أن يتحرك الاتحاد الأوروبي بسرعة لدمج هذه الدول، أو يترك الساحة مفتوحة أمام الصين وتركيا لترسيخ نفوذ طويل الأمد.
غرب البلقان اليوم ليس في حاجة لإثبات جاهزيته لأوروبا، بل العكس تمامًا: أوروبا هي التي تحتاج لإثبات جاهزيتها للبلقان قبل أن يسبقها لاعبون آخرون.



