دولي

الدروز بين نيران الحرب ووعود الحماية.. قراءة تحليلية في الضربات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا

تيار نيوز- خاص

بين جبل العرب والكرمل.. صراعٌ يتجاوز الحدود

في خضمّ التوترات المتصاعدة على الساحة السورية، وتحديدًا في محافظة السويداء، شنت إسرائيل ضربات جوية على العاصمة دمشق، استهدفت مقرات حيوية أبرزها القصر الرئاسي ومبنى هيئة الأركان العامة. المفاجئ في تبرير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن هذه الضربات جاءت بدافع “حماية الطائفة الدرزية” في جنوب سوريا.

لكن خلف هذا التبرير الإنساني المعلن، تختبئ شبكة مصالح أمنية وعسكرية وجيوسياسية معقدة. الدروز، الذين يبلغ عددهم نحو مليون نسمة موزعين بين سوريا ولبنان وإسرائيل، وجدوا أنفسهم فجأة في قلب لعبة أمم إقليمية، يتقاطع فيها الأمن الإسرائيلي، والتوازنات الطائفية، ومشروع سوريا ما بعد الأسد.

من هم الدروز؟ وماذا يمثلون في ميزان القوى؟

ينتمي الدروز إلى طائفة عربية دينية ظهرت في القرن الحادي عشر، وتُعرف بتوجهاتها الباطنية وعدم انخراطها في السياسة العامة بصورة علنية. ومع ذلك، فقد لعبت الطائفة أدوارًا مفصلية في محطات مختلفة من التاريخ العربي الحديث.

في سوريا، يُشكّل الدروز قوة اجتماعية معتبرة تتركز في محافظة السويداء جنوب البلاد.

في إسرائيل، هناك نحو 130 ألف درزي، يُعاملون كمواطنين كاملي الحقوق، يخدمون في الجيش الإسرائيلي منذ عام 1957، وقد تقلد عدد منهم مناصب رفيعة في المؤسسة الأمنية والعسكرية.

في الجولان المحتل، يقطن حوالي 20 ألف درزي ما زالوا يعتبرون أنفسهم سوريين ورفضوا الحصول على الجنسية الإسرائيلية.


هذا الوجود الثلاثي يجعل من الدروز نقطة التقاء مصالح متنافرة: فهم مواطنون في إسرائيل، ومتمسكون بسوريتهم في الجولان، ويشكّلون قوة مسلحة محلية في السويداء تُطالب بالاستقلال عن سيطرة الدولة المركزية.

السويداء تحت النار: من السلاح إلى الانقسام

شهدت محافظة السويداء خلال الأيام الماضية مواجهات دامية بين فصائل درزية مسلحة وعشائر محلية، أودت بحياة نحو 300 شخص. وفي ظل هذا التصعيد، تدخل الجيش السوري الجديد، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، للإشراف على وقف إطلاق نار تم التوصل إليه مع وجهاء المحافظة.

غير أن ما أثار حفيظة إسرائيل، هو دخول القوات السورية بأسلحة ثقيلة إلى السويداء، وهو ما اعتبرته خرقًا لتفاهم مسبق يقضي بعدم عسكرة الجنوب السوري.

مسؤولون إسرائيليون أكدوا أن التنسيق مع دمشق كان يتم لتفادي التصعيد قرب الحدود، لكن “الشرع خالف التفاهم”، على حد وصفهم. وفي هذا السياق، خرج نتنياهو بتصريح مفاده أن “إسرائيل ملتزمة بحماية الدروز ولن تسمح بحشد عسكري على حدودها الشمالية”.

أحمد الشرع والدروز: علاقة متوترة وعقدة السلاح

بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024، جاء الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع إلى السلطة حاملاً وعودًا بحماية الأقليات ودمجها في النسيج الوطني الجديد. لكن العلاقة مع الدروز بقيت متأزمة.

فصائل درزية محلية ترفض تسليم أسلحتها ودمج نفسها ضمن الجيش الوطني، متمسكة بـ”حقها في الدفاع الذاتي”، بينما تصر الحكومة على نزع سلاحها وفرض سلطة الدولة.

في تصريحات له، الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا، الشيخ حكمت الهجري، قال إن “السويداء تتعرض لحرب إبادة”. بينما في بيان آخر، دعت الرئاسة الروحية الدرزية في دمشق الفصائل المسلحة إلى التعاون مع القوات الحكومية وتسليم سلاحها.

هذا الانقسام الداخلي في الموقف الدرزي بين الاحتواء والمواجهة، جعل الطائفة عرضة للابتزاز السياسي من كل الأطراف.

إسرائيل والدروز: حماية أم توظيف سياسي؟

حين تقصف إسرائيل قصرًا رئاسيًا ومقرًا لهيئة الأركان في عاصمة عربية بحجة حماية طائفة دينية، فلا بد من البحث عن الدوافع الحقيقية خلف هذه الضربات.

من الناحية الاستراتيجية، تمثل السويداء والجولان بالنسبة لإسرائيل:

عمقًا أمنيًا يجب أن يبقى منزوع السلاح.

حائط صد بشريًا في شكل الطائفة الدرزية التي تريد إسرائيل تقديم نفسها كحامية لها.

أداة ضغط على النظام السوري الجديد وموقفه من إيران وحزب الله.


بمعنى أوضح، الدروز ليسوا فقط ضحايا صراع داخلي، بل ورقة إقليمية في لعبة الشطرنج بين إسرائيل وسوريا وإيران.

المشهد الإقليمي: السلام مع إسرائيل أم إعادة التصعيد؟

تسعى الإدارة الأميركية حاليًا لإعادة دمج سوريا في المجتمع الدولي، من خلال تشجيعها على الانخراط في اتفاقيات سلام مع إسرائيل. وكانت واشنطن قد رفعت جزءًا من العقوبات المفروضة على دمشق بعد لقاء بين الشرع والرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.

لكن نتنياهو أعرب عن معارضته لهذا المسار، معتبرًا أن سوريا أصبحت تحت قيادة “نظام إسلامي متطرف”، محذرًا من أن ما حدث في 7 أكتوبر قد يتكرر عبر الحدود الشمالية.

تصريحات مشابهة صدرت عن الزعيم الروحي للدروز في إسرائيل، الشيخ موفق طريف، الذي قال: “ما حدث في 7 أكتوبر يحدث الآن في السويداء”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى