
يُعد يوم الصحافة اليمنية، الذي يصادف التاسع من يونيو من كل عام، مناسبة بالغة الأهمية لتسليط الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه الصحافة في المجتمعات، وتذكيرًا بالتضحيات الجسيمة التي قدمها الصحفيون اليمنيون في سبيل نقل الحقيقة والدفاع عن حرية التعبير. ففي ظل سنوات الحرب الدامية التي عصفت باليمن منذ عام 2014، تحولت مهنة الصحافة إلى ساحة صراع، حيث واجه الصحفيون تحديات غير مسبوقة وانتهاكات ممنهجة أثرت بشكل عميق على المشهد الإعلامي وحرية الصحافة في البلاد. يهدف هذا المقال إلى استعراض واقع الصحافة اليمنية خلال فترة الحرب، مع التركيز على الانتهاكات التي تعرض لها الصحفيون، وخاصة تلك التي ارتكبتها جماعة الحوثي، والتي ساهمت في تدهور حرية الصحافة إلى مستويات غير مسبوقة.
تاريخ يوم الصحافة اليمنية وأهميته
يحتفل اليمنيون بيوم الصحافة اليمنية في التاسع من يونيو من كل عام، وهو تاريخ يحمل في طياته دلالات عميقة تتعلق بنضال الصحفيين من أجل الحقيقة والعدالة.
هذا اليوم ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل هو تذكير مستمر بالدور الحيوي الذي يلعبه الإعلام في بناء المجتمعات الديمقراطية، وفضح الفساد، ونقل صوت المواطن.
في اليمن، حيث تعيش الصحافة ظروفًا استثنائية، يكتسب هذا اليوم أهمية مضاعفة، فهو فرصة لتسليط الضوء على التضحيات الجسيمة التي قدمها الصحفيون، الذين واجهوا القتل والسجن والتعذيب والملاحقة والتشريد في سبيل أداء واجبهم المهني.
كما أنه يمثل دعوة للمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية للوقوف إلى جانب الصحفيين اليمنيين ودعمهم في مواجهة التحديات الهائلة التي تعترض طريقهم.
الانتهاكات العامة ضد الصحافة والصحفيين خلال الحرب
لقد شهدت الصحافة اليمنية خلال السنوات العشر الماضية (2014-2024) تصاعدا غير مسبوق في وتيرة الانتهاكات، مما أدى إلى تدهور كبير في حرية الصحافة في البلاد. تنوعت هذه الانتهاكات لتشمل كافة أشكال القمع والتضييق على العمل الصحفي، بدءاً من القتل والإعدام، مروراً بالاحتجاز التعسفي، والاختفاء القسري، والملاحقة، وصولاً إلى الاعتداءات الجسدية والنفسية، وحجب المواقع الإخبارية، واقتحام ونهب المؤسسات الإعلامية.
وفقًا لتقارير منظمة “صحفيات بلا قيود”، بلغ إجمالي حالات الانتهاك المرصودة والموثقة خلال العقد الماضي 1784 حالة، استهدفت الصحفيين والمؤسسات الإعلامية والناشطين الإعلاميين. وقد أظهرت هذه الإحصائيات حجم الكارثة التي حلت بالصحافة اليمنية، حيث توزعت الانتهاكات على النحو التالي: عدد حالات الانتهاك العام.

هذه الأرقام تعكس واقعاً مريراً تعيشه الصحافة في اليمن، حيث أصبحت بيئة العمل الإعلامي محفوفة بالمخاطر.
وقد أدت هذه الانتهاكات إلى تصنيف اليمن ضمن أسوأ الدول عالمياً في حرية الصحافة، حيث احتلت المرتبة 169 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2024، وفقاً لتقرير منظمة “مراسلون بلا حدود” .
تنوعت الجهات المنتهكة لحقوق الصحفيين، وشملت جميع أطراف الصراع، مما يؤكد أن العنف الممنهج ضد الصحفيين كان سياسة متبعة لقمعهم وإسكاتهم.
وقد تم استخدام كافة الوسائل للحد من حرية الصحافة ومنع الصحفيين من أداء مهامهم المهنية في نقل الحقائق للرأي العام .
انتهاكات الحوثيين بحق الصحافة والصحفيين: الوجه الأشد قتامة
تُشكل الانتهاكات التي ارتكبتها ميليشيا جماعة الحوثي بحق الصحافة والصحفيين في اليمن الفصل الأشد قتامة في تاريخ حرية الصحافة في البلاد.
فمنذ سيطرتهم على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، دأبت الجماعة على ممارسة قمع ممنهج ضد الإعلام المستقل، بهدف إحكام قبضتها على الرواية وتغييب الحقائق. ووفقاً لتقارير منظمة “صحفيات بلا قيود”، فإن ميليشيا جماعة الحوثي تتحمل المسؤولية عن العدد الأكبر من الانتهاكات، حيث ارتكبت 1008 حالات انتهاك خلال الفترة من 2014 حتى 2024 .
تنوعت هذه الانتهاكات لتشمل الاعتقال التعسفي، والاختطاف، والاحتجاز في سجون غير قانونية، والمحاكمات الصورية، والتعذيب الجسدي والنفسي، وصولاً إلى القتل واصدار احكام بالاعدام.
وقد استهدفت هذه الممارسات الصحفيين الذين حاولوا نقل الصورة الحقيقية للأوضاع في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أو الذين عبروا عن آراء مخالفة لتوجهات الجماعة.
إن سياسة الترهيب هذه أدت إلى خلق بيئة من الخوف والرقابة الذاتية، مما دفع العديد من الصحفيين إلى التوقف عن العمل أو مغادرة البلاد.
فيما لا يزال عدد من الصحفيين يقبعون في السجون حسب بيان نقابة الصحفيين بمناسبة يوم الصحافة اليمنية 9 يونيو/حزيران 2025، اشارت إلى أن تسعة صحفيين لا يزالون محتجزين في سجون جماعة الحوثي، “وحيد الصوفي، نبيل السداوي، محمد المياحي، وليد غالب، عبدالجبار زياد، عبدالعزيز النوم، عاصم محمد، حسن زياد وعبدالمجيد الزيلعي”، إلى جانب الصحفي “ناصح شاكر” المحتجز لدى قوات الحزام الأمني التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي.
إن استمرار احتجاز هؤلاء الصحفيين، دون أي سند قانوني، يمثل انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية التي تكفل حرية الصحافة وتحمي الصحفيين في مناطق النزاع.
لقد أدت سيطرة الحوثيين على وسائل الإعلام إلى تحويل العديد منها إلى أبواق دعائية للجماعة، مما أثر بشكل كبير على استقلالية الإعلام و مصداقيته.
ففي ظل هذه السيطرة، أصبح من الصعب الحصول على معلومات محايدة وموضوعية، مما فاقم من معاناة المواطنين في الوصول إلى الحقيقة وتكوين رأي مستنير.
تأثير الحرب على المشهد الإعلامي اليمني
لم تقتصر تداعيات الحرب في اليمن على الانتهاكات المباشرة ضد الصحفيين، بل امتدت لتشمل المشهد الإعلامي بأكمله، مسببةً دماراً هائلاً في بنيته التحتية واستقلاليته.
فخلال السنوات الماضية، توقفت 165 وسيلة إعلامية عن العمل، بما في ذلك قنوات تلفزيونية وإذاعات وصحف ومجلات ومواقع إلكترونية. يمثل هذا الرقم نسبة 45.2% من إجمالي الوسائل الإعلامية التي كانت موجودة قبل اندلاع الحرب في عام 2015، مما يؤكد الأثر السلبي العميق للصراع على حرية الإعلام واستقلاليته وتمويله وحقوق الصحفيين العاملين فيه.
في المقابل، شهدت فترة الحرب ظهور 200 وسيلة إعلامية جديدة، 137 منها (68.5%) أسستها أطراف الصراع المختلفة في اليمن .
هذا التحول أدى إلى سيطرة أطراف النزاع على غالبية وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة، مما أفرغ المشهد الإعلامي من محتواه المستقل والموضوعي.
أصبحت هذه الوسائل الجديدة بمثابة أبواق دعائية لأطراف الصراع، تروج لرواياتها وتغيّب الحقائق، مما يزيد من صعوبة وصول المواطن اليمني إلى معلومات موثوقة وغير منحازة.
تأثرت الصحف والمجلات بشكل خاص، حيث أغلقت 119 من أصل 132 صحيفة ومجلة بسبب الحرب وتداعياتها الأمنية والاقتصادية والسياسية، ولم يتبق سوى 13 صحيفة فقط تعمل حاليًا .
كما أن صعوبة وصول الصحفيين الأجانب إلى المناطق الميدانية فاقمت من التحديات، مما جعل تغطية الأحداث بشكل موضوعي ومستقل أمراً شبه مستحيل.
هذا الوضع أدى إلى تراجع اليمن في مؤشر حرية الصحافة العالمي، مما يعكس حجم الكارثة التي حلت بالقطاع الإعلامي في البلاد.
دعوات المنظمات الدولية والمحلية
في ظل هذا الواقع المأساوي، تتصاعد الأصوات المطالبة بحماية الصحفيين اليمنيين ووضع حد للانتهاكات المستمرة بحقهم
تدعو المنظمات الدولية والمحلية المعنية بحرية الصحافة وحقوق الإنسان، مثل منظمة “صحفيات بلا قيود” ولجنة دعم الصحفيين، المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات عاجلة وفعالة لضمان سلامة الصحفيين وفقاً للمواثيق والمعاهدات الدولية التي تؤكد على حمايتهم أثناء تغطيتهم للنزاعات.
تطالب هذه المنظمات بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي تعرض لها الصحفيون في السنوات الماضية، مؤكدة أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم.
كما تشدد على ضرورة الإفراج الفوري عن جميع الصحفيين المحتجزين تعسفياً و أولئك الذين اختفوا قسراً في سجون الميليشيات.
وتدعو إلى تشكيل لجان تحقيق دولية مستقلة للتحقيق في الاعتداءات التي تعرض لها الصحفيون خلال العقد الماضي، لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب.
إن الوقوف إلى جانب الصحفيين اليمنيين والدفاع عنهم، وممارسة كافة الضغوط على أطراف الصراع للإفراج عن المحتجزين، هو واجب إنساني وقانوني. فحرية الصحافة ليست مجرد حق للصحفيين، بل هي حق للمجتمع بأسره في الوصول إلى المعلومات والحقيقة، وهي ركيزة أساسية لبناء مجتمع ديمقراطي ومستقر.
ختاماً: يمثل يوم الصحافة اليمنية صرخة مدوية في وجه القمع والانتهاكات التي طالت الصحافة والصحفيين في اليمن خلال سنوات الحرب.
لقد دفع الصحفيون ثمناً باهظاً في سبيل نقل الحقيقة، من أرواحهم وحرياتهم وكرامتهم.
إن الوضع الراهن لحرية الصحافة في اليمن يتطلب تضافر الجهود الدولية والمحلية لوقف هذه الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان بيئة آمنة للصحفيين لأداء واجبهم المهني.
إن حرية الصحافة هي حجر الزاوية في أي مجتمع يسعى إلى الديمقراطية والعدالة. وبدون صحافة حرة ومستقلة، تظل المجتمعات في ظلام الجهل والتضليل.
لذا، يجب أن يستمر الضغط على جميع أطراف الصراع في اليمن لاحترام حرية الصحافة، والإفراج عن جميع الصحفيين المحتجزين، ووقف كافة أشكال التضييق على العمل الإعلامي. فالحقيقة لا يمكن أن تُقتل، وصوت الصحافة سيظل يصدح مهما اشتدت التحديات.



