اخبار وتقارير

معتوق خوباني.. الرياضي الذي حمل البندقية قبل الكرة

معالي أحمد

في كل ذكرى الـ30 من نوفمبر، تتجلى أمامنا صورة الكفاح الجنوبي ضد الاحتلال البريطاني، وتبرز قصص الأبطال الذين ضحوا من أجل الاستقلال.

ومن هؤلاء الأبطال معتوق علي صالح خوباني، الذي جمع بين النشاط الرياضي المتميز والمشاركة الفاعلة في النضال المسلح.

شخصيته تمثل نموذجًا حيًا لشاب عدني عاش التحولات الوطنية والاجتماعية في ستينيات القرن الماضي، وساهم في ترسيخ قيم التضحية والوفاء للوطن.

المولد والنشأة

وُلِد معتوق بالشيخ عثمان في الأول من مايو 1939، وانتقلت أسرته لاحقًا إلى المعلا، حيث أصبحت جزءًا من المجتمع العدني المعروف بحراكه الوطني والنقابي والتربوي.

نشأ في بيئة مرتبطة بالميناء والصناعة والخدمات المدنية، حيث شكلت لديه وعيًا مبكرًا بأهمية الانخراط في العمل الجماعي والنشاط المدني، مع الانتباه لقضايا التعليم والشباب.

ومنذ طفولته، تلقى معتوق تعليمه الأولي في كتّاب المعلا على يد خاله الفقي قاسم، أحد أبرز معلمي القرآن في المنطقة، الذي أثر في تكوين شخصيته وانضباطه الأخلاقي.

زمالاته مع أبناء المجتمع العدني، ومنها عبد الفتاح نجل الفقي، أتاحت له الفرصة لبناء شبكة من العلاقات الاجتماعية والسياسية التي ساعدته لاحقًا في نشاطه الرياضي والسياسي.

ومع تقدمه في العمر، بدأت ملامح اهتمامه بالرياضة تظهر بوضوح، موهبته في كرة القدم قادته إلى نادي المستقبل الرياضي، حيث بدأ نشاطه الرياضي المنظم، وهو النشاط الذي شكل له منصة للتواصل مع الشباب الآخرين وتحفيز روح الانضباط والعمل الجماعي، قبل أن تتحول هذه الخبرات لاحقًا إلى عناصر أساسية في نشاطه الوطني والسياسي.

نشاطان متلازمان

كان معتوق علي صالح خوباني معروفًا في أوساط الرياضة بعدن، حيث أصبح قائد فريق شباب الجزيرة عام 1962 وشارك في منتخب عدن، بالإضافة إلى شغل مناصب إدارية مهمة في النادي من سكرتير إلى نائب رئيس.

لم يقتصر نشاطه الرياضي على اللعب فقط، بل شمل التدريب، التحكيم، والإشراف الإداري، مما جعله شخصية محورية في المشهد الرياضي العدني على مدى سنوات طويلة.

إلى جانب الرياضة، كان له دور سياسي نشط، حيث انضم منذ عام 1962 إلى حزب الشعب الاشتراكي، الذي تطور لاحقًا إلى منظمة التحرير ثم جبهة التحرير. وقد تحمل مسؤوليات مكتب الحزب في منطقة المعلا، وساهم في بناء وعي سياسي لدى الشباب، مستفيدًا من شبكة علاقاته الرياضية والاجتماعية.

هذه المزج بين الرياضة والنشاط السياسي أعطى معتوق ميزة فريدة، فقد تعلم الانضباط والصبر في الملعب، ونقله إلى العمل الوطني، حيث أصبح مثالًا على كيف يمكن للرياضة أن تكون قاعدة لتشكيل مناضلين ملتزمين بقضايا الوطن.

كما أكدت سيرته أن العمل الوطني لا يقتصر على الجبهات العسكرية فقط، بل يشمل التنظيم، التحريض، والدعاية، وهو ما قام به في مناطق متعددة بالمعلا مشاركًا في تنظيم المسيرات والمظاهرات وتحفيز أقرانه على المشاركة في الكفاح ضد الاحتلال.

العمليات الفدائية والتضحيات

شارك معتوق في العديد من العمليات الفدائية ضد الاحتلال البريطاني، وكانت له أدوار بارزة في شوارع المعلا والمنصورة وكريتر، ففي أبريل 1967، خلال وصول بعثة الأمم المتحدة، قام هو وزملاؤه بتنفيذ عمليات رمي القنابل على الدوريات البريطانية في الشارع الرئيسي بالمعلا، مستخدمين الفتحات الخلفية كمواقع انطلاق لتفادي الكشف من قبل القوات.

كما شارك في إطلاق النار على الجنود البريطانيين في جولة الغزل بالمنصورة، وعمل على إدخال وتوزيع الأسلحة على الفدائيين عبر شبكات منظمة ومخطط لها بعناية.

هذا النشاط لم يكن مجرد عمل عسكري، بل كان متصلاً بالجانب التنظيمي والدعائي، إذ كان عضوًا في لجنة الدعاية والتحريض لمنطقة المعلا منظمًا المظاهرات والمسيرات التي ساهمت في نشر الوعي الوطني.

الأندية الرياضية شكلت قاعدة صلبة للفدائيين، حيث رفع الرياضيون شعار “البندقية قبل الكرة”، وسقط العديد منهم شهداء، مثل محمد علي الحبيشي، حامد شيخ، خالد هندي وعلي سريب.

هؤلاء الشباب الرياضيون قدموا أرواحهم دفاعًا عن الحرية، وكان معتوق واحدًا من هؤلاء المناضلين الذين حملوا هم الوطن قبل أي اعتبارات شخصية.

وتوضح سيرته كيف يمكن للروح الرياضية والانضباط الجماعي أن تتحول إلى أدوات نضالية، وكيف أن العمل المشترك بين الأندية الرياضية والفدائيين أسهم في تعزيز فعالية المقاومة ضد المستعمر البريطاني ما ساهم في النهاية من تحقيق الاستقلال في 1967.

الاستقلال والزنازين

رغم فرحة الاستقلال التي عاشها الجنوب في 30 نوفمبر 1967، قضى معتوق وشقيقه عبدالله أفراح هذا اليوم في سجن المنصورة، حيث كانا محتجزين مع عدد من زملائهم. هذه التجربة تجسد التناقض المأساوي الذي عاشه العديد من المناضلين، حيث تحقق الهدف الوطني بعد سنوات من الكفاح، لكنهم لم يتمكنوا من الاحتفال بحرية كما حلموا.

خلال فترة الاعتقال، تعرّف معتوق على العديد من السجون والمعتقلين وتلقى المساندة من أصدقاء ومواطنين مثل الفنان محمد محسن عطروش الذي كان يمدهم بالوجبات الغذائية يوميًا، ما يعكس روح التضامن والتكافل بين أبناء المجتمع العدني في أصعب الظروف.

عند خروجه من السجن في يناير 1968، قرر التوقف عن ممارسة كرة القدم رغم حبه الكبير للرياضة، وذلك بسبب الظروف والمشاعر المرتبطة بتجربته في الاعتقال، لكنها لم تمنعه من الاستمرار في العمل الرياضي والإداري لاحقًا في اتحاد الكرة ونوادي عدن، مكرسا خبرته للأجيال الجديدة.

وتظل قصة معتوق علي صالح خوباني درسا في التضحية والصبر، ورمزا للشباب الذي ساهم في بناء هوية وطنية ورياضة وطنية في آن واحد بعيدًا عن الأضواء، لكنه حاضر في ذاكرة العدنيين كشخصية مناضلة ومؤثرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى