اخبار وتقارير

التهديدات الحوثية “ورقة إفلاس أم خطة صواريخ ضد الرياض؟”

تيار نيوز –تقرير خاص

في صخب العاصمة السعودية، كان الغداء قطعًا سريعًا على وقع صفارات الإنذار. لم يكن تمرينًا روتينيًا كما أعلن المسؤولون، بل كان تذكيرًا صامتًا بأن الحرب على حدود المملكة الجنوبية لم تنتهِ، وأن الحوثيين، تلك الجماعة التي تحولت من ثوار في شمال اليمن إلى قوة تقف على أبواب صنعاء، ما زالوا يحتفظون بقدرتهم على إشعال الفوضى.

عشر سنوات من الحرب، مليارات الدولارات المصروفة، آلاف القتلى والجرحى، ومع ذلك، لم تتوقف الميليشيا عن البحث عن نقاط ضعف خصومها.

اليوم، يبدو أن ضائقة مالية غير مسبوقة تدفع الحوثيين إلى إعادة تدوير “ورقة التهديد” ضد الرياض، وكأن الاقتصاد اليمني مجرد صاروخ يطلق إلى قلب المملكة السعوديه.

بدأت رحلة الحوثيين نحو السيطرة على شمال اليمن في 2014، حين خرجوا من معقلهم في صعدة، واستولوا على صنعاء وبقية المدن الكبرى.

التحالف الذي شكّلته السعودية في العام التالي لصدهم سرعان ما وجد نفسه غارقًا في مستنقع لا نهاية له، مع سيطرة الحوثيين على ثلاثة أرباع السكان في غرب اليمن.

وعلى الرغم من كل الضغوط العسكرية والدبلوماسية، صمد وقف إطلاق النار الذي رعته الأمم المتحدة منذ 2022، ولم تشن الميليشيا هجمات على المدن السعودية منذ ذلك الوقت.

لكن كل هذا الهدوء كان يخفي أزمة داخلية عميقة، اقتصادياً وسياسياً الحوثيون ليسوا فقط صانعو تهديد، بل ضحايا لضائقة مالية خانقة.

الضربات الإسرائيلية على موانئهم ومصانع الإسمنت، والعقوبات الأمريكية، وندرة الحوالات المالية من الخارج، كلها عوامل تسببت في انهيار شبه كامل لإيراداتهم.

ومع ذلك، تظل الجماعة ملتزمة بمصادر دخل غير مشروعة من تهريب المخدرات والتلاعب بالعملات الرقمية، لكنها غير قادرة على سد فجوة العجز المالي. في بعض الأشهر، تدفع الجماعة رواتب منقوصة، وفي أشهر أخرى، لا تدفع شيئًا.

وفقًا لوضّاح العولقي، الخبير الاقتصادي في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، انخفضت واردات الغذاء والوقود بنسبة 20% و27% على التوالي حتى أغسطس/آب 2025 مقارنة بالعام السابق.

في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حول الحوثيون اهتمامهم نحو إسرائيل، مستعرضين تضامنهم مع الفلسطينيين، لكن وقف إطلاق النار في غزة سرعان ما أنهى حملتهم هناك.

الآن، مع تراجع العائدات وضغوط الجوع والفوضى الداخلية، يبدو أن السعودية هي الهدف المنطقي التالي.

عبد الملك الحوثي ووسائل إعلام الجماعة صعدوا من لهجتهم، متهمين المملكة بالتواطؤ مع إسرائيل، ومهددين باستئناف الهجمات إذا لم تُرفع “الخنقة الاقتصادية” عن اليمن.

الاستراتيجية الحوثية واضحة: استخدام التهديدات لضغط على السعودية، خصوصًا بعد أن كان هناك التزام مؤقت بدفع رواتب القطاع العام في مناطق سيطرتهم ضمن اتفاقيات السلام المؤقتة.

الحوثيون يأملون أن يشتروا “الهدوء” السعودي، بينما هم عاجزون عن إدارة أزماتهم المالية الداخلية.

لكن الرهان على هذه الورقة محفوف بالمخاطر. السعودية والإمارات اليوم في موقف مختلف تمامًا عن 2021–2022.

العلاقات المتجددة مع إدارة ترامب، الاتفاقات الدفاعية، والاستعداد الأمريكي للتدخل في حال تعرض المملكة لأي هجوم جديد، كلها عوامل تجعل من أي تهديد مباشر خطوة محفوفة بالمخاطر.

أما إسرائيل، فقد تجد نفسها مضطرة لمواصلة ضرباتها الجوية ليس فقط لإضعاف الحوثيين، بل لتعزيز روابطها مع دول الخليج بعد حرب غزة.

وعلى الصعيد الداخلي، الحوثيون أصبحوا أكثر خبرة بعد عامين من الهجمات على إسرائيل، معدلات التجنيد ارتفعت، والميليشيا لم تتوقف عن تجنيد الأطفال بالقوة، بينما قادتها أصبحوا أقل استعدادًا لتقديم أي تنازلات.

هذا المزيج من الضغط المالي، التصعيد العسكري، والانغلاق السياسي يجعل الحوثيين على حافة الهاوية.

حتى الآن، يبدو أن الحرب اليمنية تراجعت من أولويات المجتمع الدولي، لكن هذا الهدوء قد يكون خادعًا. أي تصعيد جديد من الحوثيين قد يربك الاستقرار في الخليج، ويعيد اليمن بقوة إلى دائرة الاهتمام الدولي، مع كل ما يعنيه ذلك من تكلفة بشرية وسياسية.

في النهاية، يبدو أن الحوثيين يلعبون لعبة الحافة المالية: تهديد، تراجع، انتظار، ثم تهديد جديد. واللاعبون الآخرون؟ يتفرجون من بعيد، يتحسسون جيوبهم، ويأملون ألا يتحول هذا الجوع الاقتصادي إلى صاروخ حقيقي يحطّم كل الحسابات.

اليمنيون من جهتهم؟ يراقبون المشهد، يتأملون، ويضحكون بصمت على لعبة الكبار التي تستمر على أجسادهم وحقولهم، بينما المال يتلاشى، والتهديدات تتكرر، وكأن العالم كله مجرد ورقة لعب في يد ميليشيا شبه مفلسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى