سقوط بلا مجد “هل بدأ العدّ التنازلي لنهاية الحوثيين بعد انكشاف إيران وانهيار أسطورة المقاومة؟”
تحليل –ترجمة خاصة

في زمنٍ تتبدّل فيه التحالفات وتتسارع الأحداث أسرع من تقلبات الطقس في الخليج، وتنهار فيه الشعارات مثل جدرانٍ من ورق أمام أول اختبار حقيقي، يدخل الشرق الأوسط مرحلة هي الأكثر اضطرابًا منذ عقود. فبينما يتبادل الإيرانيون والإسرائيليون اللكمات بنبرة استعلاء واستعراض هيبة، تتساقط أوراق الحوثيين في اليمن كشجرة عجوز يابسة في موسم رياح لا يرحم. الضربة الإسرائيلية التي مسحت نصف هرم قيادة الجماعة لم تكن مجرد عملية عسكرية؛ كانت إعلان جنازة سياسية مؤجلة، وإشارة مدوية إلى نهاية مرحلة كان الحوثيون فيها يتصرفون كأنهم الرقم الصعب الذي لا يُمسّ. اليوم، ومع تضاؤل الدعم الإيراني وتزايد العزلة الإقليمية، يبدو المشهد أشبه بسفينة تطفو فوق بحر عاصف بعد أن تحطم دفة القيادة وتنازع البحارة على من يملك حق الصراخ.
هذا التحليل يرصد مسار الانحدار المتسارع داخل بنية الحوثيين، ويكشف كيف تحوّلت الحركة من مشروع مقاومة إلى آلة قمع ذاتية بلا رؤية ولا حلفاء، ويشرح السياق الإقليمي الذي يضيق حولهم يوماً بعد آخر، بينما تستعد القوى العربية لمرحلة جديدة قد تعيد توزيع أوراق الحرب والسلام في اليمن والمنطقة.
من مقاومة مُقدسة إلى سلطة تُحكم بالذعر
لطالما بنى الحوثيون سرديتهم الكبرى على فكرة “المقاومة المقدسة” ضد الإمبريالية والهيمنة الخارجية، وقد ساعدتهم الحرب الطويلة على تثبيت هذه الصورة في أذهان الكثيرين ممن رأوا فيهم حركة وطنية تسعى للاستقلال. لكن سقوط معظم أعضاء حكومتهم في ضربة واحدة لم يقتل الرجال فحسب، بل كشف هشاشة الهيكل الذي اعتُبر طويلاً حصنًا لا يُخترق.
لم تستغرق حالة الصدمة وقتًا طويلًا قبل أن تتحوّل إلى حالة هستيريا سلطوية. فبدلاً من مواجهة السؤال الحقيقي: كيف نجونا؟ وكيف تسربت المعلومات؟، انقلب الحوثيون إلى الداخل يذبحون بعضهم بعضًا، ويبحثون عن “خونة” تحت كل حجر. ما جرى في ذمار من اعتقالات مفاجئة لسياسيين وقضاة وصحفيين ليس سوى جزء صغير من مشهد أوسع: إنهاء ما تبقى من تعددية، وإحلال حكم الخوف الكامل مكان الشرعية.
إن هذه الحملة المسعورة ضد الأصوات المحلية المعارضة تكشف عن انهيار بنيوي داخل الحركة. فهي لم تعد قادرة على الحكم عبر الإقناع أو الكفاءة أو الانضباط الثوري المزعوم، بل عبر السجون والإخفاء القسري والمحاكمات الصورية. ومن حيث كانوا يرفعون شعار الدفاع عن الحرية، باتوا نسخة أكثر قسوة وتشوهًا مما زعموا محاربته.
هذه التناقضات المتفجرة لا تهدد سمعتهم أمام المجتمع اليمني فحسب، بل أمام قواعدهم الداخلية نفسها، التي بدأت تتساءل بقلق: هل ما زال هناك مشروع وطني؟ أم مجرد عصابة مُسلّحة تبحث عن استمرار المكاسب وإثراء القادة؟
الضربة الإسرائيلية “لحظة الحقيقة التي هزت الهرم”
عندما استغرق الحوثيون أيامًا لتأكيد مقتل قائدهم الأعلى، كانت الرسالة واضحة للعالم: الفوضى هي الرئيس الفعلي داخل الجماعة الآن. منطق القيادة المركزية المنضبطة الذي تفاخر به الحوثيون لسنوات تبخر فجأة. وبدأ القادة المحليون يتصرفون كأمراء حرب، يديرون شبكات تهريب وفرض إتاوات وضرائب خارج أي نظام أو قانون.
إنّ الشرخ الحقيقي الذي أحدثته الضربة ليس عسكريًا بل نفسيًا واستراتيجيًا. فقد دمرت أسطورة “الدرع الإلهي” التي كانت تشكل العمود الفقري لثقة القواعد بقيادتهم، وخلقت موجة غضب داخلي وإحساسًا بالخيانة وضعفًا خفيًا لم يعد من الممكن إخفاؤه.
وللمرة الأولى منذ نحو عقد، يصبح السؤال مشروعًا:
هل الحوثيون قادرون على البقاء دون جهاز إنعاش إيراني؟
إيران في أزمة.. وذراعها اليمني يفقد الأوكسجين
إذا كانت الضربة الإسرائيلية الشرارة الأولى، فإن تراجع إيران هو الوقود الذي يلتهم ما تبقى من تماسك الحوثيين. فطهران تواجه عاصفة كاملة:
- اتفاق نووي يحتضر
- عقوبات اقتصادية خانقة
- تظاهرات شعبية تهز شرعية النظام
- تراجع نفوذها في سوريا ولبنان
- واستعداد عسكري إسرائيلي لموجة ضربات أوسع
في هذا السياق، أصبحت اليمن مجرد أولوية منخفضة. المال شحيح، الأسلحة أقل، والتوجيه الاستراتيجي محدود. حتى داخل الدوائر الإيرانية، تزداد الأصوات التي ترى الحوثيين عبئًا يجرّ إيران نحو مواجهة إقليمية غير محسوبة.
ومهما حاول الحوثيون إنكار ذلك، فإن قدرتهم على الاستمرار دون الدعم الإيراني بالكاد تتجاوز نمط حرب العصابات، وليس مشروع حكم طويل المدى.
الاستراتيجية العربية: الاستعداد السلمي المدجج بالقوة
على الجانب الآخر، تقرأ السعودية والإمارات المشهد بعين الصقر. المشاركة السعودية في مناورات ATLC-35 بقاعدة الظفرة ليست عرضًا أكاديميًا لتشكيلات طيران، بل تدريب استراتيجي على مجابهة الصواريخ والطائرات المسيّرة—أسلحة الحوثيين المفضلة.
وبينما يحذر الرئيس رشاد العليمي من تقديم أي تنازلات جديدة للحوثيين، يجري تحويل التفوق العسكري إلى ورقة سياسية. فالمجلس الانتقالي الجنوبي، وقوات طارق صالح، ووحدات أبو زرعة المحرمي يعيدون تنظيم صفوفهم استعدادًا لمرحلة قد يكون عنوانها كسر الجمود وإعادة تشكيل السلطة.
إنه توازن دقيق: دعم المسار الدبلوماسي دون التخلي عن خيار القوة.
وهنا تكمن الرسالة: السلام ممكن، لكن الاستسلام غير وارد.
اليمن في قلب معادلة إقليمية جديدة
توقفت الوساطات العُمانية، وانتهت الأسطورة القائلة إن الحوثيين محميون بمظلة إقليمية لا يمكن اختراقها. كل طرف ينتظر الشرارة التالية. الجميع يستعد. الصبر ينفد. والفراغ السياسي يتسع.
وإذا انشغلت إيران بصراع مباشر مع إسرائيل، فسينكشف الحوثيون كما تُكشف الضفادع عندما ينحسر الماء. وحينها، قد تفتح نافذة تاريخية نادرة لإعادة صياغة مستقبل اليمن.
السؤال الأهم ليس:
هل يسقط الحوثيون؟
بل:
من سيكون جاهزًا لإدارة اليوم التالي؟
فالفوضى قد تبتلع الجميع إذا لم يكن هناك مشروع وطني يوحد الصفوف ويعيد بناء الدولة من جديد.
قد يرى البعض أن الحديث عن قرب نهاية الحوثيين مجرد أمنيات سياسية. وقد يعتقد آخرون أن الجماعة قادرة على إعادة إنتاج نفسها كما فعلت سابقًا. لكن الفارق هذه المرة أن البيئة الإقليمية تغيرت جذريًا، وحلفاء الأمس يترنحون، والوقت لم يعد في صف صنعاء.
ما نراه اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل انكشاف تاريخي لحركة فقدت شرعيتها الاجتماعية، وضعفت قاعدتها العسكرية، وتهتز قيادتها الداخلية، وفقدت دعم حليفها الأكبر.
والشرق الأوسط كله يقف على باب مرحلة جديدة، قد تكون أكثر دموية أو أكثر تحررًا. اللحظة مفصلية، واليمن في قلبها. وإذا لم يتحرك قادته لصياغة نظام جديد شامل قبل أن تنفجر العاصفة، فإن الريح قد لا تُبقي ولا تذر.
فهل نشهد قريبًا سقوط آخر أبراج الوهم؟
أم أننا أمام جولة أخرى طويلة من الدوران في الحلقة الجحيمية؟



