“القاعدة الحوثية”.. عندما يصبح الإرهاب وظيفة رسمية وورقة تفاوض في سوق الفوضى اليمنية!
تيار نيوز –تحليل خاص

في اليمن، يبدو أن الحرب لم تعد بين “الدولة والإرهاب”، بل بين من يحتكر حق إدارة الإرهاب.
فالحوثي الذي يوزّع الخطب عن “محاربة التكفيريين” بات يتبادل معهم الأسرى ويقاسمهم الغنائم، والقاعدة التي كانت ترى الحوثيين “روافض كفار” أصبحت تراهم شركاء تجارة في سوق الدم المفتوح.
إنها نسخة يمنية من تحالف “القاتل والجلاد”، حيث يضع الطرفان شعار “الله أكبر” على فوهة البندقية ذاتها، ويبيعان الإرهاب كمنتج وطني يحمل شعار “صُنع في صعدة”.
ولأن العبث صار منظّمًا أكثر من الدولة نفسها، لم تعد الصفقات بين الحوثي والقاعدة حوادث فردية، بل نظام تبادل مصالح محكم؛ فيه الإفراج عن إرهابيين يقابله سلاح ومال، وفيه “جهاد” على مقاس الممول الإيراني، لا علاقة له بالإيمان أو الوطن.
صفقات بوجه مكشوف.. إرهاب على الطريقة الحوثية
لم يعد الإفراج عن القيادي في تنظيم القاعدة “محمد محسن القادري” مجرد حادثة غامضة، بل جزء من سلسلة ممتدة من الصفقات التي تكشف أن الحوثي لا يفرّق بين “الخصوم” و“الأدوات” إلا وفق المصلحة.
القادري الابن، نجل القيادي “أبي جهاد الذماري”، أُطلق سراحه ضمن صفقة تضمنت تسليم أسلحة نوعية ومبالغ مالية، في مشهدٍ يختصر كيف تتحوّل الزنازين إلى مكاتب تنسيق عمليات.
الحوثيون الذين يرفعون شعار “الموت لأمريكا” يفتحون الأبواب للإرهابيين الذين يُلاحقهم العالم، مقابل خدمات استخباراتية ميدانية أو أدوار تخريبية في الجنوب.
هذا النمط من التفاهمات ليس جديدًا، بل يعيد إنتاج سياسة الحوثيين منذ سيطرتهم على صنعاء: “استثمر في الإرهاب، تربح فوضى!”.
فالجماعة التي فشلت في بناء مؤسسات الدولة نجحت بامتياز في تأميم الفوضى وتصديرها، عبر تحالفات مرنة تتيح لها استخدام القاعدة كذراع سوداء تُنفذ ما لا ترغب الجماعة في الظهور كمسؤولة عنه.
من تفجيرٍ هنا، إلى اغتيالٍ هناك، الحوثي يُمسك بالخيوط، بينما تُنفّذ القاعدة العمل القذر بغطاء “ديني”.
والأكثر سخونة في المشهد أن هذه الصفقات تُبرَم عادة عندما تشتدّ الضغوط الدولية على الحوثيين، فيسارعون إلى تحريك ورقة الإرهاب كوسيلة “ابتزاز ذكي” للعالم.
فيقدّمون أنفسهم كقوة “تحارب الإرهاب” بينما هم من يصنعونه.
إنه تسويق مقلوب؛ فبدل أن تُحاسَب المليشيا، تتحول إلى شريك في “حل المشكلة” التي هي سببها.
شبكة تدوير الإرهاب.. كيف حوّل الحوثي السجون إلى معسكرات تجنيد
كشف تقرير مركز “P.T.O.C Yemen” عن شبكة من القيادات الحوثية المتخصصة في إعادة تدوير عناصر القاعدة وداعش، بإشراف مباشر من عبدالقادر الشامي وعبدالكريم الحوثي وأبو علي الحاكم.
تقوم الخطة على إعادة تأهيل المعتقلين، ثم زجّهم في الجبهات أو في خلايا استخباراتية تعمل لصالح المليشيا.
السجون الحوثية، التي يُفترض أن تكون مؤسسات عقابية، تحوّلت إلى مصانع لإنتاج إرهابيين “بمواصفات حوثية”.
يُفرَج عن العناصر المصنّفة دوليًا كمطلوبين، مثل “سامي فضل ديان” المتورط في اغتيال اللواء سالم قطن، ليظهر لاحقًا في جبهات مأرب وهو يقاتل تحت راية الحوثي.
والأغرب أن هؤلاء لا يخرجون خلسة، بل ضمن صفقات رسمية داخلية، يحصل بموجبها الإرهابي على راتب شهري (نحو 260 دولارًا) وحماية لأسرته، مقابل “الولاء الميداني”.
إنها سوق بشرية تعمل بمبدأ “الإرهاب مقابل الراتب”، حيث يتحوّل المجرم إلى موظف في إدارة الفوضى العامة.
يقول أحد الباحثين في شؤون الحركات المتطرفة إن الحوثيين وجدوا في القاعدة “كنزًا بشريًا جاهزًا للاستعمال”، بينما وجد التنظيم في الحوثيين “ممرًا آمنًا للبقاء”.
إنها شراكة شاذة تُعيد رسم خريطة الإرهاب في اليمن: إرهاب رسمي برعاية الدولة الموازية.
فما بين المعسكرات السرّية في صعدة والذمار، وورش “التحليل الديني” التي تبرر القتل بالفتوى، يولد جيل جديد من الجهاديين الحوثيين بعمامة وبدل تمويه.
التحالف الخفي.. مصلحة تتجاوز الكراهية
من يراقب العلاقة بين الحوثي والقاعدة لا يحتاج إلى عدسة أيديولوجية، بل إلى عدسة اقتصادية وأمنية.
فالتحالف لا يقوم على الحب أو التفاهم العقائدي، بل على منفعة آنية متبادلة: الحوثي يحتاج خدمات ميدانية وسرية، والقاعدة تحتاج مأوى ومالًا.
فيصبح “العدو” صديقًا مؤقتًا، والمحرَّم السياسي يصبح مباحًا بفتوى “الضرورة”.
تقارير أممية تؤكد أن الحوثيين استخدموا عناصر القاعدة لتنفيذ عمليات اغتيال وزرع عبوات في المناطق المحررة، بما يخلق فوضى منظمة تتيح للجماعة الادعاء بأن “لا أحد قادر على ضبط الأمن سواهم”.
بهذا المعنى، القاعدة هي الظلّ القذر للحوثي، تنفذ ما يريد دون أن يتحمل تبعاته.
وكلما ارتفعت نغمة “الضغوط الدولية”، ازداد التنسيق بين الطرفين تحت الطاولة.
المحلل السياسي مانع المطري يرى أن الحوثيين حولوا “الإرهاب” إلى أداة سياسية، تُستخدم في المفاوضات والابتزاز الدبلوماسي.
فبينما تُطالبهم الأمم المتحدة بوقف العنف، يلوّحون بورقة “القاعدة وداعش” قائلين: “نحن البديل الأفضل”.
إنها مفارقة سوداء: الإرهابي الذي يبيع نفسه كمنقذ من الإرهاب!
وهكذا يتحول الإرهاب إلى عمل تجاري مربح، يُدار كما تُدار شركات الأمن الخاصة، لكن بشعار ديني ورعاية إيرانية.
إيران.. الراعي الرسمي لمشروع الفوضى المعولمة
وراء هذا المشهد العبثي، يقف المشروع الإيراني بكامل هندسته.
فطهران التي صنعت الحشد الشعبي في العراق، والميليشيات الطائفية في سوريا ولبنان، تصنع اليوم “النسخة اليمنية” من تلك التجربة عبر الحوثيين.
لكنها تضيف إليها نكهة جديدة: تدوير الإرهاب السني لخدمة المليشيا الشيعية.
في مختبر الحرس الثوري، لا مكان للعقيدة إلا كوقود للهيمنة.
التقارير المحلية تشير إلى أن ضباطًا من الحرس الثوري يشرفون على برامج “تأهيل وتجنيد” لعناصر القاعدة داخل السجون الحوثية، ضمن خطة أوسع لخلق شبكات هجينة يصعب تفكيكها.
الهدف ليس فقط السيطرة على الجغرافيا، بل تشويش مفهوم العدو.
فحين يتساوى الإرهابي والحوثي في الدم والمال، يفقد العالم القدرة على التمييز، وتربح طهران مزيدًا من الفوضى الرخيصة.
المجتمع الدولي، الغارق في حساباته السياسية، يتعامى عن هذه الحقيقة؛ بل يمنح الحوثي شرعية ضمنية حين يصمت أمام جرائم إعادة تدوير الإرهاب.
النتيجة؟
اليمن يتحوّل تدريجيًا إلى مخزن بشري للمقاتلين بالوكالة، يصدّرهم الحوثي إلى مناطق الصراع كما تُصدّر إيران المليشيات إلى الشام والعراق.
إنها منظومة متكاملة لإنتاج الفوضى، بتمويل مذهبي ولوجستيات إيرانية، وعمالة يمنية جاهزة باسم “الجهاد”.
هكذا، يصبح الفرق بين الحوثي والقاعدة مجرد اختلاف في الزي والشعار، بينما الجوهر واحد:
قتل، قمع، وتوظيف الدين كأداة سلطة.
كلاهما يعيش على جثة الدولة، ويقتات من فوضى لا يريد لها أن تنتهي.
القاعدة تقاتل باسم “الخلافة”، والحوثي يقاتل باسم “الولاية”، وكلاهما يعبد السلاح ويكفر بالوطن.
من السذاجة أن نصدق أن الحوثي “يحارب الإرهاب”؛ إنه ببساطة يديره، ويموّله، ويصدّره.
ومن الغباء أن نرى القاعدة كتنظيم متمرّد فحسب؛ إنها اليوم مقاول فرعي في مشروع الحوثي الإيراني، ينفذ المهام القذرة مقابل حفنة دولارات وفتوى عابرة.
النتيجة أن اليمن يُدار كـ“حقل تجارب لإرهاب معولم”، تُكتب فيه فصول جديدة من الخيانة الوطنية تحت شعار “الله أكبر”.
وما لم يُكسر هذا التحالف النجس بين مليشيا دينية وتنظيم إرهابي، سيبقى اليمن غارقًا في دوامة دم لا تنتهي، حيث يتحوّل الوطن إلى مسرح دائم للجريمة، وتصبح الفوضى دينًا جديدًا يحكم الجميع.



