توسّع الحوثيين في السودان.. هل يتشكّل “المحور الأحمر” على سواحل أفريقيا؟
تيار نيوز –ترجمة خاصة

في لحظةٍ يفترض أن تكون فيها المنطقة قد اتخمت من الحروب، يبدو أن البحر الأحمر يستعد لجولةٍ جديدة من الصراع، هذه المرة من الضفة الأفريقية.
فبينما تتداعى الخرطوم من الداخل، يُقال إن الحوثيين – بأذرعهم البحرية والبرية – باتوا يتسللون بهدوء نحو الساحل السوداني، ليعيدوا رسم خريطة النفوذ الإيراني على الطريقة اليمنية.
الخبر ليس إشاعة، والتحليل ليس خيالاً.
فمقال الباحث فرناندو كارفاخال في أوراسيا ريفيو، المقرّب من دوائر الأمن الغربي، يطلق إنذارًا مبكرًا: الحوثيون يتمددون في السودان، وإيران ترافقهم بظلها الطويل.
السؤال الآن: هل نقترب من ولادة محور جديد في البحر الأحمر، مزيج من الخرطوم وطهران وصنعاء؟ أم أننا أمام مغامرة عسكرية عابرة ستنطفئ كما اشتعلت؟
السودان.. من ساحة حرب أهلية إلى منصة إيرانية
منذ سقوط نظام البشير، يعيش السودان واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا، حيث تفككت مؤسساته العسكرية، وتنازعت الميليشيات السلطة، وتحوّل شرق البلاد إلى منطقةٍ رمادية لا سيطرة واضحة عليها.
هذا الفراغ الأمني هو ما جعل إيران تتحرك.
فبعد سنواتٍ من القطيعة، أعادت طهران فتح خطوطها مع الفريق عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة السودانية، الذي وجد نفسه محاصرًا داخليًا ومقاطَعًا دوليًا.
الصفقة غير المعلنة كانت واضحة: البرهان بحاجة إلى سلاح ودعم تقني، وإيران بحاجة إلى موطئ قدم جديد على البحر الأحمر بعد تضييق الخناق على شبكاتها في اليمن.
منذ أكتوبر 2023، تشير تقارير أمنية إلى أن طهران نقلت إلى السودان طائرات مسيّرة من طراز “مهاجر-6” و”أبابيل”، إلى جانب أنظمة صاروخية تكتيكية، عبر رحلات شحن مدنية.
وفي المقابل، تغض الخرطوم الطرف عن تحركات مجموعات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، تعمل على تجهيز مخازن ومواقع تدريب قرب بورتسودان.
هنا، يدخل الحوثيون على الخط.
فالطريق البحري بين الحديدة وبورتسودان قصير نسبيًا، والتنسيق اللوجستي بين الطرفين سهل التنفيذ بفضل العلاقات الإيرانية المشتركة. ومع إغلاق معظم طرق التهريب عبر عُمان وبحر العرب، صار الساحل السوداني بديلاً إستراتيجياً لعمليات الدعم والتسليح.
بكلمات أوضح: وجدت في السودان ما فقدته في اليمن – جغرافيا جديدة، وسلطة متعطشة للدعم، وموقع مثالي لتهديد خصومها في الخليج وإسرائيل.
البحر الأحمر.. من ممر تجاري إلى منطقة ظل عسكرية
للبحر الأحمر ذاكرة طويلة مع الصراعات، لكنه اليوم يعيش مرحلة مختلفة.
الهجمات الحوثية على السفن التجارية، والتي تبنّتها الجماعة أكثر من مرة قرب ميناء ينبع السعودي، ليست حوادث معزولة بل تحوُّل استراتيجي.
في أوائل سبتمبر، أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن ضرب سفينتين – سكارليت راي وإم إس سي آبي – على بُعد 160 ميلاً فقط من الساحل السوداني.
التحليل العسكري لتلك الضربات يثير الريبة: المسافة تتجاوز المدى المعتاد للطائرات المسيّرة اليمنية، ما يفتح الباب أمام احتمال إطلاقها من قواعد قريبة من بورتسودان.
إذا صح ذلك، فإننا أمام مرحلة جديدة في الحرب البحرية.
فالبحر الأحمر، الذي يربط قناة السويس بمضيق باب المندب، يتحول شيئًا فشيئًا إلى “منطقة ظل عسكرية” تديرها قوى غير دول، تستخدم فيها الميليشيات أدوات الحرب الرخيصة – من طائرات مسيّرة إلى قوارب انتحارية – لتغيير موازين الأمن العالمي.
الولايات المتحدة، التي طالما اعتبرت البحر الأحمر ممرًا آمنًا لأسطولها الخامس، تدرك الآن أنها أمام عدوٍ يختبئ داخل سفينة صيد صغيرة، وينطلق من موانئ دولة غارقة في الفوضى.
أما السعودية، فترى في هذا التمدد تهديدًا مباشرًا لأمنها البحري، إذ لم تعد الهجمات محصورة في باب المندب، بل باتت تقترب من سواحلها الغربية.
الرسالة الحوثية كانت واضحة: “نستطيع أن نضربكم من أي مكان، حتى من أفريقيا.”
البرهان والحوثي.. زواج الضرورة على رمال متحركة
من المفارقات أن يتقاطع طريق قائد جيش وطني مثل البرهان مع جماعة عقائدية مثل الحوثيين، لكن السياسة في الشرق الأوسط لا تعرف المنطق بقدر ما تعرف المصلحة.
فبينما يقاتل البرهان خصمه اللدود محمد حمدان دقلو (حميدتي) في حربٍ مدمرة، يبحث عن أي دعم خارجي يعيد له التوازن.
أما إيران، التي تقاتل بالوكالة في أكثر من ساحة، فترى في البرهان فرصة ذهبية لإحياء تحالف قديم كان نشطًا في عهد البشير.
وبين الطرفين، يظهر الحوثي كـ”الابن العسكري المدلل” لإيران، الذي يمكنه أن يمدّ نفوذه إلى الساحل السوداني تحت غطاء التنسيق الاستخباراتي.
المعادلة الجديدة بسيطة لكنها خطيرة:
- البرهان يحصل على دعم تقني وتسليحي من طهران.
- إيران تحصل على منفذ بحري واستراتيجي يكمّل وجودها في اليمن.
- الحوثي يحصل على منصة إطلاق جديدة تمتد شمالاً وغرباً.
لكن هذه المعادلة هشة جدًا.
فالسودان اليوم دولة ممزقة، وبورتسودان محاصرة بميليشيات متنازعة. أي خلل أو تسريب معلومات يمكن أن يحوّل الوجود الحوثي هناك إلى ورطة دولية كبرى للبرهان، خصوصًا في ظل المراقبة الأميركية المشددة بعد فرض عقوبات على “كتيبة البراء بن مالك” المتحالفة معه.
إنها شراكة فوق رمال متحركة، يمكن أن تبتلع الطرفين معاً في أي لحظة.
المليشيا العابرة للحدود.. ملامح الدولة الإيرانية الموازية
المشهد الأوسع لما يجري في البحر الأحمر يكشف عن مشروع أعمق من مجرد تعاون عسكري.
إيران تعمل منذ سنوات على بناء شبكة مليشيات عابرة للحدود، تشبه ما يمكن وصفه بـ”الدولة الموازية”، تمتد من لبنان إلى اليمن مروراً بالعراق وسوريا.
هذه الكيانات لا تحتاج إلى سفارات أو جيوش نظامية، بل إلى ولاء عقائدي وسلاحٍ إيراني ورؤية أيديولوجية واحدة.
الآن، يبدو أن الحوثيين يسعون لتوسيع هذا النموذج.
فبعد أن رسخوا سيطرتهم على الشمال اليمني، يتجهون نحو البحر الأحمر كمنصة نفوذ خارجي.
وجودهم في السودان – إن تأكد – يعني أنهم تجاوزوا الحدود اليمنية رسميًا، ليصبحوا أول جماعة يمنية تمتلك مجال عمليات خارج حدود الدولة.
من وجهة نظر إيرانية، هذا إنجاز استراتيجي.
فإقامة قاعدة لوجستية أو استخبارية في شرق السودان يعني تطويق البحر الأحمر من جهتين:
- من الجنوب عبر الحوثيين في الحديدة.
- ومن الشمال عبر النفوذ في بورتسودان.
بهذا الشكل، تتحول إيران من لاعب “خفي” في اليمن إلى مخرّب استراتيجي لممرات التجارة العالمية، قادر على تعطيل الملاحة البحرية بين آسيا وأوروبا متى شاء.
أما على المستوى الإقليمي، فإن هذا التمدد يعني دخول المنطقة مرحلة “اللاعودة”، حيث تُصبح الميليشيات أقوى من الدول، وتتحول الجغرافيا إلى لوحة شطرنج تتقاسمها الطائرات المسيّرة بدلاً من الجيوش النظامية.
ها نحن أمام مشهدٍ معقد ومفتوح على كل الاحتمالات:
إيران تتسلل عبر السودان لتعيد إنتاج نفوذها في البحر الأحمر، الحوثيون يوسّعون نطاق عملياتهم إلى ما وراء حدود اليمن، والبرهان يغامر بتحالفات قد تحرق أصابعه قبل أن تنقذه.
السؤال الأكبر:
هل نحن أمام ولادة “محور أحمر” جديد على سواحل أفريقيا، تقوده طهران وتديره الميليشيات بالوكالة؟
أم أن المجتمع الدولي سيتدارك الموقف قبل أن يتحول البحر الأحمر من ممرٍ تجاري إلى بحرٍ من الفوضى؟



