
تتفق التقديرات الإسرائيلية الحديثة على أن ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران تحوّلت من “ذراع إقليمية محدودة التأثير” إلى عامل قلق إستراتيجي متقدّم في حسابات تل أبيب الأمنية بعد اتفاق غزة، وسط تحذيرات من دخول البحر الأحمر مرحلة أكثر اضطراباً قد تغيّر قواعد اللعبة الإقليمية برمّتها.
التحوّل من ميليشيا محلية إلى لاعب إقليمي معقّد
بحسب تقارير ومعالجات صادرة عن مراكز بحث إسرائيلية، بينها معهد القدس للاستراتيجية والأمن ومركز أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب، فإن الحوثيين تمكنوا خلال العامين الأخيرين من بناء قاعدة تصنيع ذاتي للطائرات المسيّرة والصواريخ طويلة المدى بمساعدة خبرات إيرانية وشبكات تهريب تمتد من الخليج إلى القرن الإفريقي.
هذا التطور نقل التهديد الحوثي من “المجال اليمني الداخلي” إلى الفضاء الإقليمي الأوسع، خصوصاً بعد استهدافات متكررة لناقلات وسفن في البحر الأحمر، ما جعل إسرائيل ترى في الجماعة اليمنية امتداداً مقلقاً لمعادلة “المقاومة المتعددة الجبهات” التي تديرها طهران.
أحد التقارير الإسرائيلية وصف الحوثيين بأنهم “حزب الله الجنوب العربي”، في إشارة إلى قدرتهم على التحول من فاعل محلي إلى وكيل إقليمي بقدرات عابرة للحدود.
معادلة الردع: الاغتيال أم الاستنزاف؟
تطرح مراكز التفكير الإسرائيلية سيناريوهات متعددة للتعامل مع هذا التهديد الصاعد، تدور في فلك الردع المتدرج دون التورط في حرب شاملة.
من بين الخيارات التي تناقشها التحليلات:
- تنفيذ عمليات اغتيال نوعية تستهدف قيادات الصف الأول في الجماعة بهدف زعزعة توازن القرار داخلها.
- ضربات جوية دقيقة ضد مراكز التصنيع ومخازن الصواريخ والطائرات المسيّرة.
- حرب مالية واقتصادية لتجفيف موارد التمويل الداخلي والخارجي.
لكن محللين حذروا من أن مثل هذه الإجراءات قد تؤدي إلى تصعيد متبادل يجرّ المنطقة إلى دوامة جديدة، خصوصاً إذا رد الحوثيون باستهداف الملاحة أو المصالح الغربية في البحر الأحمر.
ويشير باحث في معهد الأمن القومي الإسرائيلي إلى أن “التعامل مع الحوثيين يتطلب صبرًا استخباراتيًا ودقّة عملياتية، لأن أي خطأ في الحساب قد يحوّل البحر الأحمر إلى نسخة أخرى من مضيق هرمز”.
الحرب الاقتصادية الخفية: كيف تموّل الجماعة نفسها؟
التحليلات الإسرائيلية تربط صعود القوة الحوثية بالتحكم في الاقتصاد الموازي داخل اليمن.
فمن الموانئ إلى الجمارك، ومن النفط إلى المساعدات، تُدير الجماعة شبكة تمويل داخلية تعتمد على الابتزاز المالي والإتاوات والتجارة غير الشرعية.
التقارير الإسرائيلية توصي بتوسيع دائرة العقوبات الدولية لتشمل:
- شركات الشحن العاملة تحت غطاء إنساني.
- كيانات مالية واجهة تعمل من مناطق في القرن الإفريقي.
- شبكات تهريب بحرية تُستخدم لتوريد مكونات الأسلحة.
وتصف الدراسات الإسرائيلية الاقتصاد الحوثي بأنه “اقتصاد حرب مكتفٍ ذاتيًا”، يتمتع بقدرة عالية على التكيّف، ويُموَّل عبر دورة مغلقة من العائدات المحلية والتحويلات الخارجية.
لهذا، ترى تل أبيب أن أي جهد عسكري لن ينجح دون تجفيف هذا الشريان المالي بالتعاون مع واشنطن والخليج.
بين الاستخبارات والدبلوماسية: معضلة القرار الإسرائيلي
رغم الخطاب الصارم، تبدو إسرائيل — وفق محللين — عالقة في مأزق سياسي وإنساني مزدوج:
فالتدخل المباشر قد يحقق مكاسب أمنية قصيرة المدى، لكنه في الوقت نفسه يهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن، ما قد يرتدّ على صورة إسرائيل الدولية ويغذي سرديات “المظلومية الثورية” لدى الحوثيين.
لهذا تدعو أصوات داخل تل أبيب إلى تبني نهج مزدوج يجمع بين الردع والاحتواء، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام الوساطات العمانية والأممية.
أحد المقالات في صحيفة هآرتس خلص إلى أن “إسرائيل لا تستطيع أن تربح معركة في اليمن دون أن تخسر شيئاً في ميزان الأخلاق والسياسة”.
وبينما تتسع شبكة التهريب الإيرانية-الأفريقية، تشير بعض التقارير إلى دور صيني غامض في توريد مكونات مزدوجة الاستخدام تدخل في صناعة المسيّرات والصواريخ، ما يجعل أي مقاربة إسرائيلية بحاجة إلى تحالف استخباراتي دولي واسع يشمل واشنطن ولندن والخليج، وربما القاهرة أيضاً.
البحر الأحمر في عين العاصفة
تُجمع التحليلات الإسرائيلية على أن الحوثيين باتوا رقماً مركزياً في معادلة الأمن البحري الدولي.
فأي تصعيد ضدهم سيؤثر فوراً على خطوط الشحن والتأمين العالمي، ويرفع كلفة التجارة البحرية بمليارات الدولارات.
وفي المقابل، فإن تجاهلهم سيترك فراغاً أمنياً مفتوحاً أمام إيران وحلفائها.
ومع اقتراب مرحلة “ما بعد غزة”، يبدو أن البحر الأحمر يتهيأ لأن يكون الملعب القادم في حرب الظلال بين إيران وإسرائيل، فيما يقف اليمن — الجريح والمنهك — على حافة لعبة كبرى لا يملك السيطرة على قواعدها.
وكما وصف أحد المحللين الإسرائيليين المشهد بمرارة:
“كل طائرة مسيّرة تنطلق من صنعاء تغيّر أسعار التأمين في لندن، وتُبقي قادة البحرية الإسرائيلية مستيقظين حتى الفجر.”



