اخبار وتقارير

“كنت أتمنى أكون شاب”.. وجع أنوثة تصطدم بجدران العائلة

تقرير - عبدالعالم الشرجي

في كثير من البيوت، هناك صوت داخلي لا يسمعه أحد، لكنه يعيش في قلب كل فتاة: “ليتني شاب”، هذه ليست مجرد كلمات، بل صرخة تتردد في أذهانهن كلما شعرن بالحرمان، كلما رأين أن أبواب الحياة تُفتح أمام أخوتهن بينما تُغلق في وجههن، حرية القرار، التعليم، الطموح، كل شيء يبدو أحيانًا حكرًا على الذكور.

هذا الشعور يعيش مع الفتاة في تفاصيل حياتها اليومية، في البيت، المدرسة، وحتى في أحلامها، رغم كل التغيرات الاجتماعية حولنا ما زالت بعض الأسر تمارس ما يشبه “التمييز الخفي”، الذي يحدد مكان الفتاة في الحياة قبل أن تبدأ رحلتها، ويزرع شعورًا بالقصور والظلم في قلبها.

 

أحلام مخنوقة

 

عبير محمد – اسم مستعار – وهي فتاة في الثالثة والعشرين من عمرها، تحكي لـ “تيار نيوز”: “كنت أتمنى لو كنت شابًا لأشعر أني أملك حرية الاختيار، أختبر العالم كما يشاء قلبي دون قيود”.

أما (ه.أ.م)، البالغة من العمر خمسة وعشرون عام، هي الاخرى، عاشت قصة موجعة، تفوقت في الثانوية وحلمت بدراسة الطب، لكن والدها رفض، بينما أُتيح لأخيها الالتحاق بالجامعة رغم تحصيله الأدنى. تقول: “شعرت أن حلمي يتحطم أمام عيني لمجرد أنني فتاة”.

من جانبها، صفاء سلطان، تروي تجربتها المؤلمة في الزواج المبكر: “تزوجت وأنا بالكاد طفلة، وطُلقت بعد إنجابي أربع بنات لأن زوجي أراد ولداً، اليوم أربي بناتي على الثقة بأنهن لا يقللن عن أي ذكر”.

كل قصة تحمل الألم والصمت والحنين لفرص ضاعت، وكل فتاة تعيش هذه التجربة تشعر أنها مجبرة على التكيف مع عالم لا يمنحها حقوقها، لكنها تصمد.

مع كل هذا، هناك شعاع أمل في بعض البيوت التي بدأت تشجع بناتها على التعليم والعمل، فتفتح أبوابًا كانت مغلقة، لتزهر الأحلام رغم كل القيود.

 

جرح داخلي طويل

 

الدكتور داؤود الحميدي، أستاذ علم النفس الاجتماعي، يقول: “كل فتاة تُحرم من حقها في الاختيار تتألم بصمت، ويولد لديها شعور بالعجز والذنب”.

ويضيف لـ”تيار نيوز”: “التمييز يؤثر على الجميع، الأطفال يتعلمون منذ الصغر أن العدالة اختيار وليست قاعدة وأن القيمة مرتبطة بالجنس، ما يخلق فجوة في العلاقات الأسرية ويورث الظلم عبر الأجيال”.

هذا الجرح النفسي يرافق الفتاة طوال حياتها، ويؤثر على ثقتها بنفسها وعلاقاتها بالمجتمع، أحيانًا تدفعها هذه التجارب إلى الانطواء، أو إلى محاربة نفسها لتحقيق الاعتراف والحق الذي سُلب منها، حسب الحميدي.

من هنا تأتي أهمية الأسرة والمدرسة والإعلام في ترسيخ قيم العدالة والمساواة، لتصبح الممارسة اليومية للإنصاف عادة وليست استثناء.

فالعدالة في البيت ليست رفاهية، بل حجر الأساس لمجتمع صحي، قادر على بناء أجيال متوازنة، متصالحين مع أنفسهم، وقادرين على احترام الآخرين.

 

أصوات الأمل

 

هناك آباء وأمهات بدأوا يفتحون أبواب الحياة لبناتهم كما يفتحونها لأبنائهم، “سالم الحاكم” يقول بحميمية: “أردت أن تكبر بناتي كما ينمو أبنائي، أن يدرسوا، أن يحلموا، أن يكون لهم صوت. وفرت لهن كل أدوات النجاح”.

أما عارف سيف فيشير إلى أن فرص النساء اليوم في سوق العمل أكثر من السابق، لكنه يحذر: “في بعض البيوت ما زالت الصورة قديمة، والتفضيل قائم”.

من جهتها، أخصائية الاستشارات الأسرية، ابتهال الأغبري، توضح أن أسباب التمييز متعددة: “ثقافية، اجتماعية، اقتصادية، ونفسية. أحيانًا يُستخدم الدين لتبرير الظلم، رغم أن الدين يحض على المساواة والعدل”.

وتضيف الأغبري في حديثها لـ”تيار نيوز”: “الدعم الأسري للفتيات هو ما يصنع الفارق بين الطموح المحطم والطموح المحقق”.

هذه الأصوات تمثل الأمل: هناك من يكسر الموروث، وهناك من يسعى لتغيير الصورة. ومع الوقت سيصبح دعم الفتيات قاعدة وليست استثناءً.

 

الدين والوعي الأسري

الدكتور في الشريعة الإسلامية، محمد الفقيه يؤكد لـ “تيار نيوز”، أن الإسلام أقر العدل بين الأبناء: “من كان له بنتان فأحسن تربيتهما كن له حجابًا من النار”. مضيفاً: “حرمان الفتيات من التعليم أو فرص التنمية ليس له أي أساس شرعي، بل هو مخالفة صريحة لتعاليم الدين. واجب الأب حماية بناته وتمكينهن من حقوقهن”.

يتابع الفقيه، الحل يبدأ من الأسرة: “مساواة حقيقية في المعاملة، دعم التعليم، احترام الطموحات، وخلق بيئة يشعر فيها كل طفل بقيمته بغض النظر عن جنسه”.

كما يلعب الإعلام والمدرسة دورًا كبيرًا في ترسيخ قيم العدالة، وعرض قصص نجاح للفتيات والنساء لتصبح قدوة للأجيال القادمة.

العدالة ليست شعارًا، بل ممارسة يومية تبدأ من البيت، وتمتد إلى المجتمع، لتبنى الثقة بالنفس، وتحترم كل فتاة وكل طفل على حد سواء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى