اخبار وتقارير

تقرير حقوقي – مأساة دونتنيش أَدينو تكشف عمق جرائم الاتجار بالبشر في شمال اليمن

شايع الحميري

في واحدة من أبشع الجرائم التي توثق الانحدار الإنساني في مناطق النزاع، تواجه الشابة الإثيوبية دونتنيش أَدينو، المنحدرة من قومية الهَدِيّة، مصيرًا مجهولًا داخل أحد معتقلات عصابات الاتجار بالبشر في محافظة صعدة اليمنية، ضمن منطقة تخضع لسيطرة جماعة الحوثي المسلحة.
قصة دونتنيش ليست حالة فردية، إنما نموذج متكرر لما يتعرض له المهاجرون الأفارقة، خصوصًا النساء، ممن تدفعهم الحروب في القرن الإفريقي إلى الهجرة عبر اليمن نحو السعودية. ما بدأ كرحلة بحث عن حياة آمنة، انتهى داخل سجون غير رسمية تديرها شبكات منظمة تعمل في الاتجار بالبشر وتهريب المخدرات واستغلال النساء في أعمال قسرية وجنسية.
الصحفي الاستقصائي لؤي العزعزي، وهو أحد أبرز من وثّقوا هذه الجرائم، كشف أن دونتنيش وقعت ضحية لتلك العصابات بعد وصولها إلى الأراضي اليمنية عبر سواحل شبوة، حيث سددت مبلغًا يقارب 3500 ريال سعودي للمهربين على أمل عبور الحدود. غير أن رحلتها تحولت إلى كابوس عندما بيعت لمجموعة مسلحة في صعدة تدير معسكرًا للاحتجاز والتعذيب.
وفقًا لشهادات موثقة نقلها العزعزي، تعرّضت دونتنيش للاغتصاب والعنف الجسدي والنفسي، وصُوّرت في أوضاع مهينة لاستخدامها وسيلة ابتزاز لعائلتها. وأجبر عناصر العصابة شقيقها في السعودية على مشاهدة تعذيبها عبر مكالمة مباشرة، وطالبوه بفدية مالية قدرها خمسة آلاف ريال سعودي مقابل إطلاق سراحها.

التحقيق الذي أجراه العزعزي أشار إلى تورط قيادات حوثية نافذة في إدارة شبكات الاتجار بالبشر في صعدة، من بينها القيادي المعروف باسم أبو ضياء الشرفي، إلى جانب شخصيات أخرى يجري التحفظ على أسمائها لدواعٍ أمنية. وتستغل هذه الشبكات المهاجرين الأفارقة في أعمال قسرية تشمل حفر الأنفاق والخنادق، ونقل الأسلحة والمخدرات، وحتى الاتجار بالأعضاء البشرية.

ويؤكد العزعزي أنه رصد مئات المهاجرين المفقودين في مناطق سيطرة الحوثيين، معظمهم من الجنسية الإثيوبية والإريترية والصومالية. بعضهم يُقتل تحت التعذيب، وآخرون يُستخدمون دروعًا بشرية في مواقع عسكرية، فيما تُجبر النساء على “الخدمة” في معسكرات مغلقة بعيدًا عن أي رقابة إنسانية.

منظمات حقوقية محلية حذرت مرارًا من تصاعد ظاهرة استعباد المهاجرين الأفارقة في شمال اليمن، غير أن هذه الأصوات غالبًا ما تُقابل بالتجاهل أو التهديد. ويشير مراقبون إلى أن الاتجار بالبشر أصبح جزءًا من الاقتصاد غير الرسمي الذي تموّل به بعض الجماعات المسلحة أنشطتها الحربية.

إنّ قضية دونتنيش أَدينو تمثل نداءً إنسانيًا عاجلًا لكل المنظمات الحقوقية الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، والمنظمة الدولية للهجرة، للتحرك الفوري من أجل:
الضغط للإفراج عن دونتنيش وجميع المحتجزين في معسكرات الاتجار بالبشر.

فتح تحقيق دولي مستقل حول تورط قيادات حوثية في هذه الانتهاكات.

تأمين ممرات إنسانية للمهاجرين الأفارقة العالقين في اليمن.

دعم الجهود الإعلامية والحقوقية التي توثق هذه الجرائم.

ما حدث لدونتنيش لم يعد حادثة محلية، بل جريمة دولية تستدعي تدخلاً عاجلًا. كل ساعة تمضي وهي خلف القضبان تعني مزيدًا من العذاب، ومزيدًا من الضحايا الجدد الذين لن يسمع بهم أحد.

اليوم، لا يطلب ضحايا الاتجار بالبشر في صعدة أكثر من أن يُنظر إليهم كـ بشر — لا كأرقام في تقارير، ولا كأدوات في حرب لا تعنيهم.
إنّ إنقاذ دونتنيش هو اختبار حقيقي لضمير العالم الإنساني، وإدانة صريحة لصمته الطويل أمام جرائم تمارسها جماعات مسلحة دون خوف من الحساب.

غير أن في ضوء ما تم رصده وتوثيقه من انتهاكات مروّعة بحق الشابة الإثيوبية دونتنيش أَدينو ومئات المهاجرين الأفارقة المحتجزين في مناطق سيطرة جماعة الحوثي بمحافظة صعدة، فإن هذا التقرير يوجه جملة من التوصيات إلى الأطراف المحلية والدولية ذات الصلة، على النحو الآتي:

1. إلى الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان:

تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة ومحايدة في جرائم الاتجار بالبشر والانتهاكات الواقعة على المهاجرين الأفارقة في اليمن، خصوصًا في مناطق سيطرة الحوثيين.

إدراج ملف الاتجار بالبشر في اليمن ضمن جدول أعمال الجلسة القادمة للمجلس، باعتباره تهديدًا مباشرًا لحقوق الإنسان والأمن الإقليمي.

2. إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة:

توفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء المهاجرين العالقين في مناطق النزاع شمال اليمن.

تقديم دعم عاجل للضحايا الناجين من الاحتجاز، بما في ذلك العلاج النفسي والجسدي، وإعادة التأهيل وإعادة التوطين الآمن.

3. إلى الحكومة اليمنية الشرعية:

التنسيق مع الأجهزة الأمنية والمنظمات الدولية لتعقب شبكات الاتجار بالبشر ومحاكمتها وفق القوانين المحلية والدولية.

ضمان عدم إفلات المتورطين، بمن فيهم القيادات الحوثية التي تم توثيق أسمائها في التحقيقات، من المساءلة القانونية.

4. إلى جماعة الحوثي:

إطلاق سراح جميع المحتجزين من المهاجرين الأفارقة فورًا، دون قيد أو شرط.

السماح للمنظمات الإنسانية بالوصول إلى المعتقلات ومراكز الاحتجاز.

وقف جميع أشكال الاستغلال القسري، بما في ذلك تجنيد الأفارقة في القتال أو استخدامهم في أعمال الحفر والتهريب.

5. إلى المنظمات الحقوقية والإعلاميين:

مواصلة توثيق الحالات المماثلة ونشرها للرأي العام العالمي، وعدم السماح بطمس معالم هذه الجرائم.

دعم جهود الصحفيين المحليين مثل لؤي العزعزي الذين يخاطرون بحياتهم من أجل كشف الحقيقة.

إن مأساة دونتنيش أَدينو تمثل شهادة دامية على غياب الضمير الإنساني في مناطق الصراع اليمني، وعلى عجز العالم عن حماية أبسط حقوق الإنسان حين يتحول الإنسان نفسه إلى سلعة.
هذه القضية يجب ألا تُطوى في أرشيف الأخبار، بل تُفتح كملف حقوقي دائم، يُذكّر الجميع بأن السكوت على جريمة واحدة يفتح الباب لمئات أخرى.
دونتنيش ليست رقمًا، بل وجه الإنسانية الذي يُهان كل يوم، وصوتها اليوم هو اختبار للضمير العالمي:
هل سننقذها وننقذ غيرها، أم نتركهم يُسحقون لأنهم ليسوا بشر؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى