
في مشهد يوحي بترتيب جديد في هندسة القرار داخل مجلس القيادة، التقى فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي اليوم في الرياض الفريق القانوني المساند للمجلس، برئاسة القاضي حمود الهتار، في لقاء يتجاوز طابعه البروتوكولي إلى إشارة سياسية تحمل أكثر من معنى.
فبينما بدا اللقاء في ظاهره تقييماً لمهام الفريق القانوني، يمكن قراءته أيضاً كـ تجديدٍ للرهان على أدوات الدولة المؤسسية في لحظة تشتد فيها التحديات السياسية والأمنية، وتتباين فيها المواقف داخل المشهد اليمني.
العليمي، الذي حرص على الإشادة بـ”الفريق القانوني” واعتباره ركيزة في معركة الدولة ضد الفوضى والانقلاب، بدا وكأنه يوجه رسالة واضحة: أن المعركة مع المليشيا الحوثية ليست فقط في الميدان، بل أيضاً في ساحات القانون الدولي، والشرعية الدستورية.
وفي قوله إن المجلس “يقف اليوم على قاعدة راسخة من التفاهم والتكامل ووحدة الهدف”، يمكن ملاحظة نغمة طمأنة، موجهة إلى الداخل اليمني وشركاء المجلس على السواء.
فهو يريد القول إن تباينات المرحلة الانتقالية لا تعني الانقسام، وإن الشراكة لا تزال الإطار الجامع، مهما بلغت ضغوط السياسة والميدان.
الحديث عن “تحفيز المجتمع الدولي لتوسيع تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية عابرة للحدود” ليس تفصيلاً عابراً.
إنه جزء من تصعيد قانوني ودبلوماسي متدرج تسعى من خلاله الرئاسة إلى إعادة تعريف الحرب في اليمن بوصفها مواجهة مع ذراع إيرانية تهدد الأمن الإقليمي والدولي، وليس مجرد صراع داخلي.
وباستحضار الفريق القانوني وملفاته، يذكر العليمي أيضاً بأن إدارة الدولة لا يمكن أن تُختزل في السياسة وحدها، بل في احترام المرجعيات القانونية والدستورية التي تضمن استمرار الدولة حتى في أكثر المراحل هشاشة.
الرسالة الأهم من لقاء اليوم ربما كانت للحوثيين أنفسهم:
أن القانون سيظل سلاح الشرعية الأخلاقي والسياسي، وأن محاولاتهم فرض واقع القوة لن تنجح في محو مشروعية الدولة أو إلغاء قواعدها.
وفي سياق اللحظة الراهنة، يمكن القول إن العليمي أراد عبر هذا اللقاء أن يعيد ضبط البوصلة — من صخب الميدان إلى هدوء القانون، من تكتيكات البندقية إلى منطق الدولة الذي لا يسقط بالتقادم.
الرسائل الإقليمية في التوقيت
لا يمكن فصل هذا اللقاء عن التحولات الدقيقة في الموقف الإقليمي، خصوصاً مع تصاعد مؤشرات الغضب الخليجي من السلوك الحوثي المدعوم من طهران، ومحاولات المليشيا استثمار التهدئة السياسية لفرض واقع اقتصادي وأمني موازٍ.
ففي الوقت الذي تتريث فيه الرياض في حسم خياراتها النهائية، يظهر العليمي وكأنه يقول:
إن المعركة ضد الحوثيين ليست فقط سعودية أو يمنية، بل قانونية بامتياز، وإن مجلس القيادة مستعد لخوضها بالوثائق والأدلة، لا بالشعارات.
التوقيت أيضاً يعكس رسالة تطمين للرياض وأبوظبي بأن المجلس يسير وفق قواعد الدولة، لا مزاج الأفراد، وأنه يدرك أهمية تثبيت الشرعية على أسس قانونية ودستورية تمنحها وزناً في أي تسوية مقبلة.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الاجتماع القانوني في الرياض لم يكن جلسة إدارية باردة، بل دفعة سياسية محسوبة — تؤكد أن المعركة على اليمن لا تُحسم في جبهات القتال فقط، بل في صياغة الشرعية نفسها بلغة القانون، قبل أن تُترجم بلغة القوة.



