القاهرة على الحافة: مفاوضات “اللاحرب” بين حماس وإسرائيل… هل يكتب ترامب نهاية النار أم بداية الفوضى؟
تيار نيوز –تقرير خاص

في شرم الشيخ، المدينة التي تُحب المؤتمرات وتخشى الدم، يجلس الوفدان: الإسرائيلي من جهة، وحماس من جهة أخرى، لكن بينهما بحرٌ من العداء ووسيط يرتدي بدلة الدبلوماسية المصرية التي ما زالت تحاول منذ سبعين عاماً هندسة المستحيل.
اليوم الإثنين، القاهرة تستضيف مفاوضات غير مباشرة جديدة بين حماس وإسرائيل، بحضور أمريكي ضاغط يُشبه اليد الثقيلة لترامب، الباحث عن “نصر إعلامي” قبل أن يكون “نصراً سلامياً”.
الهدف المعلن: وقف الحرب في غزة، والإفراج عن الرهائن، وفتح الطريق أمام خطة أمريكية تصر على أن تُدفن البنادق بينما تبقى القنابل الأخلاقية في الهواء.
“سلامٌ على الطريقة الترامبية” من يملك الهدنة يملك الرواية
منذ أن أعلن دونالد ترامب خطته في 29 سبتمبر، انشغل العالم بأرقام التوقيت أكثر من جوهر الخطة.
قال الرجل بلهجته النرجسية المعهودة: “72 ساعة فقط وسنُنهي الحرب”.
لكن، في واقع الشرق الأوسط، الـ72 ساعة قد تتحول إلى 72 عاماً من التفاوض دون وقفٍ للنزيف.
الخطة الأمريكية تبدو “كوكتيل سياسي” من النوايا الحسنة والمصالح الخشنة:
وقف إطلاق النار، تبادل أسرى، انسحاب تدريجي إسرائيلي، ونزع سلاح حماس.
جميل نظرياً، لكنه عملياً استنساخ من وصفة “اتفاقات أبراهام” المغشوشة: يُمنح الأمن لإسرائيل، ويُمنح الوهم للفلسطينيين.
ترامب يضغط، يهدد، ويعد بعصر جديد لغزة “منزوعة السلاح” لكن بلا ضمانات إنسانية.
ويحذر حماس من أي تأخير، وكأن الحرب مسابقة في سرعة الردّ لا مجزرة في قلب التاريخ.
أما على الأرض، فالمدافع لم تصمت، والسماء ما زالت تصبّ نيرانها على المدنيين.
ستون قتيلاً يوم السبت، وعشرون الأحد.
وهكذا يصبح “وقف إطلاق النار” مجرد جملة لطيفة في بيان أمريكي طويل، لا تُسمع بين أنين الجرحى.
“حماس بين الواقعية والبقاء” حين يصبح التفاوض معركة أخرى
وفد حماس الذي يقوده خليل الحية، وصل القاهرة وهو يدرك أن الميدان تغيّر:
الحركة المنهكة من حرب السنتين، المحاصَرة سياسياً والمُستهدفة في الدوحة قبل أيام، تدخل التفاوض هذه المرة وهي محاطة بثلاث دوائر نار:
إسرائيلية من الجو، أمريكية من الورق، وعربية من الحذر.
الحركة تقول إنها “حريصة جداً على التوصل لاتفاق لوقف الحرب وبدء فوري لتبادل الأسرى”،
لكنها في الوقت ذاته ترفض أن تُجرد من سلاحها أو تُنفى من المشهد.
هذا ليس مجرد تفاوض على هدنة، بل على حق البقاء ذاته.
خطة ترامب تشترط نزع السلاح ونفي المقاتلين، وكأن غزة تُعاد صياغتها في مختبر هندسي أمريكي:
أخرج المقاتلين، أدخل المانحين، وانتهى الأمر.
لكن الواقع أكثر تعقيداً.
فـ”سلاح حماس” بالنسبة لكثير من الفلسطينيين ليس مجرد بندقية، بل ذاكرة مقاومة، تُختزل فيها الكرامة المفقودة منذ 1948.
اللافت أن حماس لم ترفض الخطة بالكامل، لكنها تجاهلت “فقرة نزع السلاح”.
في دبلوماسيةٍ ذكية تُشبه من يسلم بيده اليمنى ويقبض على البندقية باليسرى.
“إسرائيل في دور المنتصر الحذر” السيطرة بـ75% من الأرض و100% من السرد
في المقابل، بنيامين نتانياهو، المتعب من داخله، يلوح بتأييد خطة ترامب، لكنه يصر على بقاء الجيش الإسرائيلي في معظم مناطق غزة،
بما يعادل 75% من القطاع — وكأن الاحتلال صار جزءاً من بنود الهدنة.
الرسالة واضحة: “لن نغادر قبل أن نضمن أن غزة لم تعد تهددنا أبداً.”
وهذا يعني عملياً أن “وقف إطلاق النار” سيكون مؤقتاً، هشاً، ومشروطاً ببقاء جندي إسرائيلي عند كل زاوية من أزقة غزة.
الجيش الإسرائيلي، الذي يملك سجلاً طويلاً في التنصل من الاتفاقات، يُعلن استعداده “للعودة للقتال فوراً إذا فشلت المفاوضات”.
هذا ليس استعداداً للحرب، بل إصرار على إبقاء السلاح مشتعلاً كأداة سياسية.
وفيما تتحدث واشنطن عن “عملية سلام”، تتحدث تل أبيب عن “نزع خطر وجودي”.
اللغة مختلفة، الهدف واحد: فرض واقع جديد في غزة من دون حماس، ومن دون ضمير دولي.
غزة… بين أنقاض الهدنة وأوهام السلام
منذ سبعة أكتوبر 2023 وحتى الآن، قُتل أكثر من 67 ألف فلسطيني.
كل رقمٍ في هذا الإحصاء هو إنسان، وكل إنسان قصة لم تُكتب في أي خطة سلام.
ومع ذلك، يجلس الساسة في شرم الشيخ، يتبادلون المقترحات كأنهم يناقشون مشروعاً تجارياً، لا مأساةً إنسانية.
القاهرة تحاول بمهارة ودبلوماسية وخبرة في “الرمادي” — أن تُعيد العالم إلى طاولة الكلام،
لكن الحقيقة القاسية أن السلام لا يُصنع في الفنادق، بل في ضميرٍ لم يولد بعد.
يبقى السؤال الأهم:
هل ستُكتب هذه الجولة كـ”نهاية للحرب” أم كـ”استراحة قصيرة قبل فصل جديد من المذبحة”؟
في الشرق الأوسط، الجواب معروف دائماً —
كل هدنة هي وعد بحرب مؤجلة.



