
الحوثي.. حين يختطف منارة الوعي ليشعل ظلام الجهل
لا شيء يفضح قبح جماعة الحوثي أكثر من مشهد معلمٍ يُساق إلى السجن لأنه علّم، أو لأنه رفض أن يكون بوقاً لعقيدة مسلّحة تتسلل إلى عقول الصغار.
في بلدٍ أنهكته الحروب، قررت المليشيا أن تخوض حرباً أخرى، أشد فتكاً: حرب ضد العقول.
منذ أن سيطرت جماعة الحوثيين على العاصمة صنعاء، تحول التعليم إلى مشروع تعبئة دينية، والمدرسة إلى معسكرٍ لغسل العقول، والمعلم إلى هدفٍ مباشر لكل من يرفض الاصطفاف خلف “السيد”.
اليوم، في اليوم العالمي للمعلم، تُرفع الشعارات في بقية العالم لتكريم من يزرع الأمل، بينما في صنعاء وإب والحديدة، تُرفع القيود على أيدي المعلمين، ويُزجّ بهم في سجونٍ لا يدخلها ضوء.
أكثر من 350 معلماً ومعلمة، بحسب بيان نقابة المعلمين اليمنيين، تم اختطافهم واحتجازهم لسنوات في سجون الحوثي، يتعرضون فيها لأبشع صنوف التعذيب النفسي والجسدي.
عقد كامل بلا رواتب، بلا أمان وظيفي، بلا كرامة عشر سنوات من خنق الكلمة، وإعدام الطباشير، واغتيال الحلم.
التعليم في زنزانة “السيد”.. حين تصبح السبّورة منشوراً سياسياً
لم تعد المدرسة في مناطق سيطرة الحوثيين مكاناً للعلم، بل مختبراً أيديولوجياً لإعادة تشكيل وعي التلاميذ.
تُحذف الدروس التي تتحدث عن الديمقراطية، ويُضاف بدلاً عنها “فقه الولاية”، وتُستبدل صور العلماء بصور قادة الجماعة، ويُرغَم المعلمون على ترديد الصرخة قبل الدروس كما لو أنها نشيد وطني.
تقول إحدى المعلمات – فضّلت عدم ذكر اسمها خوفًا من الانتقام – في حديث لـ”تيار نيوز”:
“لم يعد التعليم تعليماً. نحن نُدرّس ما لا نؤمن به، ونسكت لأننا نريد أن نعيش إنهم يريدون أجيالاً بلا عقل، فقط مؤمنين بشعارهم.”
المعلم الذي كان يُفترض أن يكون حارس القيم والعقلانية، صار اليوم حارس خوفه.
بحسب تقارير حقوقية، يتعرض المعلمون في مناطق الحوثيين لحملات مراقبة وتفتيش فكري مستمرة من يرفض المشاركة في الفعاليات الطائفية أو يرفض تدريس المناهج المعدلة، يُتهم بـ”العمالة والارتزاق”.
وبهذا، أصبحت السبّورة ساحة حرب ناعمة، يخوضها المعلم بين واجبه الإنساني وحقه في النجاة.
الأسوأ أن الجماعة لم تكتفِ بالاختطاف الجسدي، بل اختطفت وظيفة التعليم ذاتها، إذ عيّنت آلاف الموالين لها في القطاع التربوي، على حساب الكفاءات، لخلق “جيل مبرمج” لا يسأل ولا يناقش.
عقد كامل من الجوع.. المعلّم بين طابور الخبز وطابور الطاعة
المأساة لا تقتصر على السجون. في كل بيت يمني يعيش فيه معلم، هناك مأساة أخرى صامتة.
منذ 2016، توقفت رواتب أكثر من 160 ألف معلم في مناطق سيطرة الحوثيين عشر سنوات والمعلم اليمني يعيش على الحافة: حافة الجوع، وحافة الكرامة، وحافة الانكسار.
نقابة المعلمين اليمنيين قالت في بيانها الأخير إن آلاف المعلمين والمعلمات يعانون أوضاعاً معيشية ونفسية قاسية، مشيرة إلى أن كثيرين اضطروا للعمل في مهن هامشية، أو الهجرة القسرية بحثاً عن لقمة العيش.
يقول “عبدالله”، معلم من محافظة إب، لـ”تيار نيوز”:
“كنت أدرّس اللغة العربية، واليوم أبيع الماء في الشوارع أطفالي يسألونني: لماذا لا نأكل مثل باقي الناس؟ ولا أملك إجابة إلا الصمت.”
هذا الجوع لم يكن قدراً اقتصادياً فحسب، بل سياسة عقاب الحوثي يدرك أن الجائع لا يحتج، والمحتاج يُطوِّع قلمه، لذلك ترك المعلمين بلا رواتب، بينما منح المنتمين إليه حوافز مالية وامتيازات مقابل الولاء.
هكذا تحوّل الجوع إلى أداة طيّعة لإخضاع النخبة التربوية، وتحوّل التعليم إلى عملية إذلال جماعية ممنهجة.
أما الحكومة المعترف بها دولياً، فليست بريئة من المشهد.
فالنقابة طالبت مجلس القيادة الرئاسي والحكومة بانتظام صرف الرواتب في المناطق المحررة، وضمان زيادتها بما يتناسب مع ارتفاع الأسعار والانهيار المتضارب للعملة.
لكن الواقع يؤكد أن الاستجابة ما زالت بطيئة، وأن التعليم في اليمن برمّته ينهار تحت وطأة التجاهل والتسييس وسوء الإدارة.
الذاكرة المنهوبة.. كيف تصادر المليشيا حق اليمنيين في الحلم؟
كل دولة تعرف أن مستقبلها يبدأ من الصف الأول لكن الحوثيين قرروا أن مستقبلهم يبدأ من إلغاء الصفوف الحرة.
تسعى الجماعة عبر مناهجها الجديدة وخطابها الإعلامي إلى إعادة كتابة التاريخ اليمني بما يخدم سرديتها الطائفية.
تصف ثورة 26 سبتمبر بأنها “انقلاب على الولاية”، وتمجد الأئمة القدامى باعتبارهم “أوصياء شرعيين”، فيما تهمش رموز الجمهورية والعلم والفكر الحديث.
بهذا، لا تكتفي الجماعة بسجن المعلم، بل تسجن ذاكرة الوطن.
تقول تقارير محلية إن آلاف الكتب تم سحبها من المدارس واستبدلت بمواد “تعبوية” تمجد القتال والشهادة، وتغرس مفاهيم الكراهية.
وفي المقابل، تم تهميش التربية الفنية والموسيقية والفكر النقدي — كل ما يُشبه الحياة.
المعلمون الذين رفضوا هذا التلاعب بالوعي، صاروا هدفاً مباشراً.
بعضهم اعتُقل، بعضهم اختفى، وبعضهم غادر البلاد نهائياً.
تقول نقابة المعلمين إن
التعليم في اليمن يواجه أخطر عملية تدمير ممنهجة في تاريخه الحديث، وإن بقاء الوضع الحالي يعني “جيلاً منقطعاً عن العالم، مؤدلجاً، فاقداً للهوية الوطنية”.
نداء في الفراغ: العالم يسمع أنين المعلمين ولا يتحرك
رغم فداحة المشهد، ما زال الصمت الدولي مريباً.
نقابة المعلمين وجهت نداءً إلى المبعوث الأممي وإلى منظمة اليونسكو لتحمّل مسؤولياتهم الأخلاقية والإنسانية تجاه ما يتعرض له المعلمون اليمنيون من تعذيب وتجويع وتهميش.
لكن، حتى الآن، لا صوت يعلو فوق ضجيج السياسة.
تبدو مأساة التعليم في اليمن كأنها لا تندرج ضمن أولويات “الملفات الكبرى”.
ربما لأن المعلمين لا يقاتلون، ولا يملكون لوبياً سياسياً، ولا صوتاً مرتفعاً.
لكن الحقيقة أن انهيار التعليم أخطر من انهيار الجبهات، فحين تُكسر الأقلام، تُفتح أبواب الفوضى.
المعلم اليمني.. بين سبورة الجهل ومشانق الصمت
هكذا يقف المعلم اليمني اليوم:
بيدٍ يحمل طبشوراً مكسوراً، وبالأخرى يمسح دموعه.
يعيش في وطنٍ يقدّس البندقية ويحتقر القلم، ويكافئ الولاء ويعاقب الكفاءة.
يُختطف لأنه قال “لا”، ويُجوّع لأنه لم يرفع شعار “الموت”.
المدارس في مناطق الحوثيين لم تعد تُخرّج أطباء ومهندسين، بل تُخرّج مؤمنين بالعنف كخلاص، وتُدرّب على الطاعة لا التفكير.
وفي المقابل، الحكومة الشرعية تتعامل مع التعليم كملف ثانوي، وليس كقضية وطنية وجودية.
المعلم الذي كان يعلّم الأجيال كيف تكتب جملتها الأولى، صار عاجزًا عن كتابة جملته الأخيرة.
وإذا كان لكل وطنٍ قديسوه، فإن قديسي اليمن اليوم هم أولئك المعلمون الذين يصمدون بلا راتب، بلا حماية، بلا صوت — فقط لأنهم يؤمنون أن ضوء الطباشير أقوى من ظلام البندقية.
لكن، إلى متى؟
كم من الوقت يحتاج العالم ليدرك أن من يُعذَّب في زنزانة صنعاء اليوم ليس شخصاً عادياً، بل حارس ذاكرة وطن؟
وكم من الأجيال سيولد في الظلام قبل أن يتذكر أحد أن المعلم اليمني كان — ولا يزال — آخر خط دفاع عن فكرة الحياة؟



